يواصل بعض الأصوات الإعلامية المرتبطة بحركة حماس الانزلاق إلى خطابٍ تحريضيٍّ خطير، يتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى استهداف مكوّنات دينية واجتماعية كاملة، في محاولةٍ بائسة لإعادة تموضع الحركة إقليميًا على حساب الحقيقة والهوية والواقع الشعبي. ومن بين هذه الأصوات، يبرز نموذج الصحفي المأجور الذي تحوّل قلمه من أداة نقلٍ للحقيقة إلى وسيلةٍ للتكسب السياسي والاصطفاف الأعمى.
الهجوم على أهل السنة – وهم الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني – ليس مجرد زلة لسان أو اجتهاد إعلامي، بل يعكس تحوّلًا خطيرًا في الخطاب، يهدف إلى استرضاء أطراف إقليمية بعينها، حتى لو جاء ذلك على حساب النسيج الاجتماعي الفلسطيني ووحدته التاريخية. إن هذا النهج لا يمكن فصله عن حالة الارتهان السياسي التي تعيشها حركة حماس، والتي جعلت من قراراتها ومواقفها رهينةً لحسابات خارجية لا تمتّ بصلة لمعاناة أهل غزة اليومية.
حين يتحول الإعلامي إلى أداةٍ في يد الأجندات، يفقد دوره المهني والأخلاقي، ويصبح شريكًا في تعميق الانقسام، بدلًا من رأب الصدع. وما نشهده اليوم هو نموذج صارخ لهذا الانحراف، حيث يتم توجيه البوصلة نحو معارك جانبية، وصراعات مذهبية، بدلًا من التركيز على الاحتلال، وعلى الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
إن مهاجمة أهل السنة لا تخدم أي مشروع وطني، بل تفتح أبواب الفتنة على مصراعيها، وتعيد إنتاج صراعات لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية. والأسوأ من ذلك، أنها تمنح مبررات إضافية لتفكيك المجتمع، وإضعافه، وإغراقه في صراعات داخلية تستنزف طاقاته.
المفارقة المؤلمة أن هذا الخطاب يأتي في وقتٍ يئن فيه قطاع غزة تحت وطأة الحصار، والدمار، والفقر، وانعدام الأفق. كان الأولى بمن يدّعي العمل الصحفي أن يسلّط الضوء على معاناة الناس، أن ينقل صوت الجوعى والمشردين، أن يفضح الفساد والتقصير، لا أن ينخرط في حملات تخوين وتحريض تخدم أجندات خارجية.
إن ما يحدث ليس مجرد انحراف إعلامي فردي، بل مؤشر على أزمة أعمق داخل بنية الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بحماس، حيث يتم توظيف كل شيء – حتى الدين – في لعبة المصالح. وهذا يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا النهج، ومدى قدرته على الصمود أمام وعي الناس، الذين باتوا أكثر إدراكًا لحجم التلاعب الذي يُمارس عليهم.
في النهاية، يبقى الرهان على وعي الشعب الفلسطيني، الذي أثبت عبر تاريخه أنه قادر على التمييز بين من يدافع عن قضيته بصدق، ومن يتاجر بها. فالأصوات المأجورة، مهما علت، ستسقط أمام حقيقة واحدة: أن فلسطين أكبر من كل الأجندات، وأن وحدة شعبها خط أحمر لا يجوز المساس به، تحت أي ذريعة كانت.