في قطاعٍ أنهكته الحروب، وأثقلته الأزمات، كان من المفترض أن تكون الأجهزة الأمنية درعًا يحمي الناس، لا سوطًا يلهب ظهورهم. لكن الواقع في غزة يرسم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة لسطوة أمنية تتغوّل فوق الدمار والأنقاض، وتمارس سلطتها بمعزل عن معاناة السكان، وكأنها تحكم أرضًا بلا بشر، أو شعبًا بلا حقوق.
منذ سنوات، تتعزز قبضة الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس على مفاصل الحياة اليومية في القطاع، لا باعتبارها مؤسسات وطنية هدفها حفظ الأمن، بل كأدوات لضبط المجتمع وفق معايير الولاء والانصياع. في ظل هذا الواقع، لم يعد الأمن مفهومًا مرتبطًا بحماية المواطنين، بل أصبح مرادفًا للرقابة، والملاحقة، والتدخل في أدق تفاصيل حياة الناس، بدءًا من آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى تحركاتهم ونشاطاتهم العامة.
المفارقة الصادمة أن هذه السطوة الأمنية تتصاعد في وقت يرزح فيه القطاع تحت أزمات إنسانية غير مسبوقة. بطالة خانقة، فقر مدقع، بنية تحتية مدمرة، وخدمات تكاد تكون معدومة. ومع ذلك، يبدو أن الأولوية لدى هذه الأجهزة ليست تخفيف معاناة الناس، بل إحكام السيطرة عليهم. تُسخّر الموارد المحدودة لتعزيز القبضة الأمنية، بينما يُترك المواطن لمواجهة مصيره في مواجهة الجوع والعوز وانعدام الأفق.
شهادات عديدة تتحدث عن استدعاءات أمنية تعسفية، واعتقالات على خلفية الرأي، وضغوط تمارس على النشطاء والصحفيين وكل من يجرؤ على انتقاد الواقع القائم. هذه الممارسات لا تُضعف فقط النسيج الاجتماعي، بل تُعمّق حالة الخوف، وتُكرّس ثقافة الصمت القسري، حيث يصبح التعبير عن الرأي مغامرة محفوفة بالمخاطر.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسة الأمنية لا تُنتج استقرارًا حقيقيًا، بل تُراكم الاحتقان. فالمجتمعات التي تُحكم بالقوة وحدها، دون عدالة أو شراكة أو احترام لكرامة الإنسان، تبقى على حافة الانفجار. الأمن الحقيقي لا يُبنى على القمع، بل على الثقة، ولا يتحقق بإسكات الأصوات، بل بالاستماع إليها.
إن ما يجري في غزة اليوم يطرح تساؤلات جوهرية حول مفهوم الحكم ومسؤولياته. هل الهدف هو حماية الناس وخدمتهم، أم السيطرة عليهم وإخضاعهم؟ وهل يمكن لأي سلطة أن تستمر في تجاهل معاناة شعبها، دون أن تدفع ثمن ذلك عاجلًا أم آجلًا؟
في النهاية، لا يمكن لأي قوة أمنية، مهما بلغت شدتها، أن تُخفي حقيقة أن الناس في غزة يعيشون تحت ضغط مزدوج: ضغط الحصار الخارجي، وسطوة داخلية لا تقل قسوة. وبين هذا وذاك، يظل المواطن هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن صراعات لا يملك فيها قرارًا، ويُطالب بالصمت في وقتٍ يحتاج فيه إلى أن يُسمع صوته أكثر من أي وقت مضى.