شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 10 أبريل 2026

حماس بين الشعارات العربية والارتهان الإيراني: مشروع يطعن العمق العربي

حماس بين الشعارات العربية والارتهان الإيراني: مشروع يطعن العمق العربي

في خضم التحولات العاصفة التي تعيشها المنطقة، لم تعد مواقف حركة حماس قابلة للتأويل أو التجميل. ما كان يُسوّق يومًا على أنه “حركة مقاومة وطنية” بات اليوم، في نظر كثيرين، جزءًا من مشروع إقليمي أوسع تقوده إيران، مشروع لا يتقاطع بالضرورة مع المصالح العربية، بل يتعارض معها في كثير من الأحيان.

منذ سنوات، تنتهج حماس سياسة مزدوجة الخطاب؛ خطابٌ عاطفي موجّه للجماهير العربية، يتغنى بالقضية الفلسطينية ويستدعي المشاعر القومية، وخطابٌ عملي على الأرض ينسجم بشكل واضح مع أجندات طهران الإقليمية. هذه الازدواجية لم تعد خافية، بل أصبحت مكشوفة في مواقف الحركة وتحالفاتها وتحركاتها السياسية والعسكرية.

ارتهان القرار السياسي

أخطر ما في سلوك حماس ليس فقط تحالفها مع إيران، بل ارتهان قرارها السياسي والعسكري لهذا المحور. فالدعم الإيراني، سواء المالي أو العسكري، لم يكن يومًا دعمًا مجانيًا، بل جاء مشروطًا بتبني سياسات تخدم الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، القائمة على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة.

وبدلًا من أن يكون القرار الفلسطيني مستقلًا نابعًا من المصلحة الوطنية، أصبح مرتهنًا لحسابات إقليمية، تُدار من خارج الحدود، وتُستخدم فيها غزة كورقة ضغط في صراعات لا علاقة لها مباشرة بالقضية الفلسطينية.

طعن العمق العربي

في الوقت الذي قدمت فيه الدول العربية، على اختلاف مواقفها، دعمًا سياسيًا وماليًا وإنسانيًا للشعب الفلسطيني، اختارت حماس أن تدير ظهرها لهذا العمق العربي، بل وأن تدخل في صدامات إعلامية وسياسية مع بعض هذه الدول.

لم تكتفِ الحركة بتجاهل الدور العربي، بل ساهمت عبر أذرعها الإعلامية في مهاجمة دول عربية والتشكيك في مواقفها، في انسجام واضح مع الخطاب الإيراني الذي يسعى إلى تفكيك النظام العربي وإضعافه. وهنا يتحول الأمر من مجرد اختلاف سياسي إلى طعن مباشر في الجبهة العربية، في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى أكبر قدر من التماسك والدعم.

مغامرات غير محسوبة

السياسات التي تتبناها حماس، خاصة في السنوات الأخيرة، كشفت عن نمط من “المغامرة غير المحسوبة”، حيث يتم اتخاذ قرارات مصيرية دون تقدير حقيقي لتبعاتها على الشعب الفلسطيني. هذه المغامرات، التي كثيرًا ما تأتي في توقيتات تخدم حسابات إقليمية، تنتهي غالبًا بكوارث إنسانية يدفع ثمنها المدنيون في قطاع غزة.

وفي كل مرة، يُعاد إنتاج المشهد ذاته: تصعيد عسكري، دمار واسع، معاناة إنسانية، ثم خطاب إعلامي يحاول تبرير ما حدث وبيعه على أنه “نصر”. لكن الواقع على الأرض يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

استغلال القضية الفلسطينية

أحد أخطر تداعيات هذا النهج هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى أداة ضمن صراعات إقليمية. فبدل أن تكون فلسطين عامل توحيد للعرب، أصبحت ورقة تستخدمها قوى خارجية لتعزيز نفوذها، بينما يتم تهميش الصوت الفلسطيني الحقيقي.

هذا التحول لا يضر فقط بالعلاقات العربية-الفلسطينية، بل يضرب في صميم عدالة القضية نفسها، ويشوّه صورتها أمام العالم، حين تُربط بمشاريع وأجندات لا تحظى بإجماع عربي أو دولي.

بين الشعارات والواقع

حماس ترفع شعارات كبيرة: المقاومة، التحرير، الكرامة. لكن الواقع يكشف فجوة واسعة بين هذه الشعارات والممارسات الفعلية. فالمقاومة الحقيقية لا تكون على حساب الشعوب، ولا تكون أداة بيد قوى خارجية، ولا تُستخدم لتصفية حسابات إقليمية.

إن إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية تتطلب أولًا تحرير القرار الفلسطيني من الارتهان، وإعادة بناء الثقة مع العمق العربي، والابتعاد عن سياسات المحاور التي أثبتت فشلها في تحقيق أي إنجاز حقيقي للشعب الفلسطيني.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستراجع حماس سياساتها وتعيد تموضعها ضمن الإطار العربي، أم ستستمر في طريق الارتهان الذي قد يكلف القضية الفلسطينية المزيد من الخسائر؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الحركة، بل مستقبل غزة، وربما شكل القضية الفلسطينية بأكملها.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.