في الوقت الذي يئن فيه قطاع غزة تحت وطأة الدمار والجوع والنزوح، تتكشف يومًا بعد يوم واحدة من أبشع صور الاستغلال السياسي والإنساني، حيث تستمر جهات محسوبة على حركة حماس في جمع الأموال والتبرعات باسم الشعب الفلسطيني، بينما يبقى هذا الشعب نفسه غارقًا في الخيام البالية، بلا مأوى حقيقي ولا أدنى مقومات الحياة.
المشهد لم يعد يحتمل التجميل أو التبرير. آلاف العائلات التي فقدت منازلها تعيش في ظروف قاسية، بين حر الصيف وبرد الليل، في خيام مهترئة لا تقي من مطر ولا تحفظ كرامة. أطفال بلا غذاء كافٍ، مرضى بلا دواء، ونازحون بلا أفق. في المقابل، تستمر حملات جمع التبرعات عبر منصات متعددة، تحت عناوين إنسانية براقة، تدرّ ملايين الدولارات، دون أن ينعكس ذلك على أرض الواقع بأي شكل ملموس.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين تذهب هذه الأموال؟ ولماذا لا تصل إلى مستحقيها؟ ولماذا يبقى المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف دائمًا، بينما تُدار هذه الأموال في دوائر مغلقة، بعيدًا عن أي رقابة أو شفافية؟
الوقائع على الأرض تفضح حجم الكارثة. فلو كانت هذه الأموال تُدار بحد أدنى من المسؤولية، لما بقيت عائلة واحدة في خيمة مهترئة، ولرأينا مشاريع إيواء حقيقية، ومساعدات غذائية مستمرة، وخدمات صحية تُعيد شيئًا من الكرامة المفقودة. لكن ما يحدث هو العكس تمامًا: تبرعات تُجمع باسم المعاناة، بينما تُستثمر هذه المعاناة سياسيًا وإعلاميًا، وتُستخدم كورقة ضغط ومصدر دخل في آنٍ واحد.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يقتصر على سوء الإدارة فقط، بل يرقى إلى مستوى الاستغلال الممنهج لدماء الناس وآلامهم. فالمأساة لم تعد مجرد نتيجة للحرب، بل أصبحت أيضًا أداة تُستغل لتحقيق مكاسب ضيقة، على حساب شعب يُفترض أنه المستفيد الأول من كل هذه الجهود.
إن استمرار هذا النهج يهدد بتآكل ما تبقى من ثقة لدى الناس، ليس فقط تجاه الجهات التي تجمع الأموال، بل تجاه أي عمل إنساني أو إغاثي في المستقبل. فحين يرى المواطن أن معاناته تُتاجر بها، وأن صوته مغيب، وأن حقوقه تُهدر، فإن الإحباط يتحول إلى غضب، والغضب إلى فقدان كامل للأمل.
المطلوب اليوم ليس مجرد تبريرات أو بيانات إنشائية، بل محاسبة حقيقية وشفافية كاملة. يجب أن تُكشف كل مصادر الأموال وأوجه إنفاقها، وأن تُوضع آليات رقابة مستقلة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها دون وساطة أو استغلال. كما أن المجتمع الدولي والمؤسسات الداعمة مطالبون بإعادة النظر في آليات تقديم الدعم، لضمان عدم تسربه إلى قنوات لا تخدم الهدف الإنساني الحقيقي.
في النهاية، لا يمكن لأي قضية عادلة أن تُبنى على استغلال شعبها. ولا يمكن لأي خطاب مقاومة أن يكتسب شرعية، بينما يعيش الناس في خيام ممزقة، ينتظرون فتات المساعدات التي تُجمع باسمهم ولا تصل إليهم. إن كرامة الإنسان الفلسطيني يجب أن تكون فوق كل اعتبار، وأي مساس بها، تحت أي ذريعة، هو خيانة لمعنى النضال نفسه.