شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 14 أبريل 2026

غزة بلا صوت: 18 عامًا من تغييب الإرادة واحتكار القرار

غزة بلا صوت: 18 عامًا من تغييب الإرادة واحتكار القرار

على مدار ثمانية عشر عامًا، لم تكن غزة مجرد ساحة صراع مع الاحتلال فحسب، بل تحولت أيضًا إلى مساحة مغلقة سياسيًا، تُدار بإرادة طرف واحد يرفض الشراكة ويُقصي كل صوت مخالف. فمنذ سيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007، دخلت الحياة السياسية في غزة حالة من الجمود القسري، حيث غابت الانتخابات، وتراجعت الحريات، وجرى تضييق الخناق على كل من يحاول كسر حالة الصمت المفروضة.

لم يعد منع الانتخابات مجرد إجراء مؤقت أو نتيجة لظروف استثنائية، بل أصبح سياسة ثابتة تُستخدم للحفاظ على واقع سياسي مغلق. فطوال هذه السنوات، لم تُتح لأبناء غزة فرصة حقيقية لاختيار ممثليهم أو محاسبة من يحكمهم. ومع كل دعوة لإجراء انتخابات، كانت تظهر مبررات جديدة، تتراوح بين الانقسام السياسي والظروف الأمنية، لكنها في جوهرها تخدم هدفًا واحدًا: إبقاء السلطة في يد فصيل واحد دون منافسة.

الأخطر من ذلك، أن هذا الواقع لم يتوقف عند حدود تعطيل المسار الديمقراطي، بل امتد إلى فرض حالة من الإقصاء المنهجي لكل القوى السياسية الأخرى. فالمشهد في غزة اليوم يكاد يخلو من أي تعددية حقيقية، حيث تُقمع الأنشطة السياسية المخالفة، وتُحاصر المبادرات المستقلة، ويُدفع بالنشطاء إلى الهامش أو إلى الصمت القسري. هذا الإقصاء لم يقتصر على الفصائل، بل طال المجتمع المدني والإعلاميين وحتى المواطنين العاديين الذين يجرؤون على التعبير عن آرائهم.

لقد خلقت هذه السياسات بيئة سياسية خانقة، يشعر فيها المواطن بأنه بلا صوت، وبلا قدرة على التأثير في واقعه. ومع تكرار الأزمات الاقتصادية والمعيشية، يتزايد الإحساس بالعجز، في ظل غياب أي أفق للتغيير أو الإصلاح. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض أو يصمد، بينما تُصادر إرادته، ويُمنع من ممارسة أبسط حقوقه السياسية؟

إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط مستقبل الحياة السياسية في غزة، بل يضرب في عمق فكرة التمثيل الوطني الفلسطيني. فالديمقراطية ليست ترفًا، بل هي أساس أي مشروع وطني يسعى إلى التحرر والاستقلال. وأي قوة تدّعي تمثيل الشعب، لكنها ترفض العودة إلى صناديق الاقتراع، إنما تضع نفسها في مواجهة مع هذا الشعب، لا في خدمته.

اليوم، وبعد كل هذه السنوات، لم يعد مقبولًا استمرار هذا الواقع. فغزة التي دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها ومعاناتهم، تستحق حياة سياسية حقيقية، قائمة على التعددية والشراكة والاحتكام لإرادة الناس. أما سياسة الإقصاء ومصادرة الأصوات، فلن تنتج سوى مزيد من الاحتقان والانقسام، وستبقي القطاع رهينة لحالة من الشلل السياسي الذي لا يخدم إلا بقاء الوضع القائم.

إن استعادة الحياة الديمقراطية في غزة لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحة، تبدأ بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وفتح المجال أمام جميع القوى للمشاركة دون إقصاء. فصوت الناس هو الأساس، وأي سلطة تُبنى على تهميش هذا الصوت، ستبقى سلطة منقوصة الشرعية، مهما طال الزمن.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.