في ظل الأزمات الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها الفلسطينيون، تبرز بين الحين والآخر ظواهر أكثر قسوة من الحصار والحرب نفسها، ظواهر تستغل الألم وتحوّل معاناة الجرحى والمرضى إلى سوق مفتوح للربح غير المشروع. ما يُثار مؤخرًا حول مؤسسات تابعة لحركة حماس تعمل في تركيا وقطر يضعنا أمام واحدة من أخطر هذه الظواهر: الاتجار بالمأساة تحت غطاء العمل الخيري، وباسم “الدعم الإنساني” الذي يفترض أن يكون ملاذًا للضعفاء لا أداة لاستغلالهم.
تشير المعطيات المتداولة إلى أن مؤسسات مرتبطة بحركة حماس تنشط خارج الأراضي الفلسطينية، وتحديدًا في تركيا وقطر، ضمن شبكات تعمل بشكل منظم على جمع التبرعات باسم جرحى ومرضى فلسطينيين، خاصة أولئك الذين يتلقون العلاج في مصر. وتعتمد هذه الشبكات على قصص إنسانية مؤثرة، مدعومة بصور ومقاطع فيديو يُزعم أنها توثق حالات حقيقية، بينما يكشف التدقيق أن جزءًا كبيرًا منها مفبرك أو مُعاد استخدامه من سياقات مختلفة، مع توظيف أسماء وهمية أو بيانات مضللة لا وجود لها على أرض الواقع.
هذه الممارسات، إن ثبت تورط حركة حماس أو جهات محسوبة عليها فيها، لا تمثل مجرد تجاوز أخلاقي، بل ترقى إلى مستوى الاحتيال المنظم الذي يضرب في صميم الثقة بين المتبرع والقضية الإنسانية. فالمتبرع، سواء كان فردًا بسيطًا أو جهة داعمة، يقدم أمواله بدافع إنساني خالص، معتقدًا أنه يساهم في إنقاذ حياة أو تخفيف معاناة. لكن حين تتحول هذه الثقة إلى أداة استغلال، فإن الضرر لا يقتصر على الخسارة المالية، بل يمتد ليصيب مصداقية العمل الخيري الفلسطيني برمته، ويضع علامات استفهام كبيرة حول الجهات التي تدّعي تمثيل هذه القضية.
الأخطر من ذلك أن هذه الشبكات – بحسب ما يُتداول – لا تعمل بشكل عشوائي، بل تعتمد على أساليب احترافية في الترويج، تشمل إدارة حملات رقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدام حسابات تبدو موثوقة، بل وحتى التواصل المباشر مع المتبرعين وتقديم “تقارير” مزيفة عن الحالات. هذا النمط يعكس بنية منظمة تتقن التلاعب بالعاطفة وتستثمر في غياب الرقابة الفعلية، ويعزز الشكوك حول وجود غطاء تنظيمي يوفر الحماية والاستمرارية لهذه الأنشطة.
ولا يمكن فصل هذه الاتهامات عن سياق أوسع من الانتقادات التي وُجهت سابقًا لحركة حماس بشأن إدارة الموارد المالية خارج الأطر الرسمية، وغياب الشفافية في بعض القنوات التمويلية. وإذا كانت هذه المؤسسات تعمل بالفعل تحت مظلة حركة حماس أو بعلمها، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول مدى المساءلة داخل الحركة، وحول مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية عن أي تجاوزات تُرتكب باسمها أو تحت غطائها.
في المقابل، يدفع الضحايا الحقيقيون الثمن مرتين: مرة بسبب المرض أو الإصابة، ومرة بسبب سرقة أصواتهم ومعاناتهم وتحويلها إلى مادة دعائية لجمع الأموال. هؤلاء المرضى الذين ينتظرون علاجًا أو دعمًا حقيقيًا يجدون أنفسهم في الظل، بينما تُضخ الأموال في قنوات مشبوهة لا تصل إليهم، في مشهد يختزل قسوة الاستغلال وانعدام الضمير.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا جادًا على عدة مستويات. أولًا، على الجهات الرقابية في الدول المعنية، خاصة تركيا وقطر، فتح تحقيقات شفافة في أنشطة المؤسسات المرتبطة بحركة حماس، والتأكد من مصادر تمويلها وآليات صرفها. ثانيًا، على المتبرعين توخي الحذر والتحقق من مصداقية الجهات التي يتعاملون معها، وعدم الانسياق وراء الحملات العاطفية غير الموثقة. وثالثًا، على المؤسسات الفلسطينية الرسمية والمستقلة العمل على استعادة ثقة الجمهور عبر تبني أعلى معايير الشفافية والإفصاح، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
في النهاية، تبقى القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في ممارسات مشبوهة، وأسمى من أن تكون غطاءً لعمليات احتيال. وأي تورط – مباشر أو غير مباشر – لحركة حماس في مثل هذه الأنشطة، إن ثبت، لا يسيء فقط لسمعتها، بل يهدد جوهر العمل الإنساني ويقوض ثقة العالم بكل من يعمل تحت راية هذه القضية.