بقلم .. الشاعر حازم البحيصي
لدى طبيب الأسنان، مصطحبًا ابني البالغ أربعةَ عشرَ عامًا قهرًا وظلمًا في هذه البلاد، متجهين للمرة الأولى إلى وجهةٍ نعلمها. تسير بنا الخطى حيث مقصدنا، وصلنا وكان الطبيب منشغلًا بحالةٍ مرضية لديه، كان صراخ هذه الحالة يملأ المكان.
لم نتأثر كثيرًا لاعتيادنا سماع الصراخ ليلًا نهارًا، سرًّا وجهارًا، على مدار النبض، حيث الموت يعجُّ بالأماكن، والويلات تحاصر الجميع. أمضينا وقتًا في صالة الانتظار دون أن نأبه للوقت، فقد صار الانتظار عتبةً رئيسة في حياتنا اليومية.
إلى يساري رجلٌ تبدو عليه علامات التصنّع حضورًا وقولًا، التفت إلى الطبيب قائلًا بكل سذاجة:
(أنتم الوحيدون الذين ندفع لهم مقابل الألم).
انتابني الفضول لمحادثته، فسألته: أليس الألم الذي تقصده ألمًا آنيًّا ثم يذهب أدراجه؟
فأجابني: بلى.
قلت: ليت كل الآلام كهذه. بدت على الرجل علامات استغراب أراد من خلالها الاستفهام، فأشحت بوجهي عنه، ثم رددت عليه بصري وحدّثته: ليس الألم الآني أمرًا موجعًا، أتعلم أين يكمن الوجع؟
إنه يكمن في الألم المؤجَّل، ذلك الذي يُبقيك بين مطرقة الحيرة وسندان التوتر زمنًا طويلًا، لا هو بالآتي المريح، ولا هو بالمغادر أبدًا. إنه يُبقيك بين مدّه وجزره، فتقه ورتقه، وأنت بين كل هذا وذاك تموت ألمًا ووجعًا وقهرًا.
صمت الرجل طويلًا، واستند إلى كرسيه مذهولًا، راغبًا بالمزيد من قولي. هززت رأسي قائلًا: لا عليك، إنه ألمٌ مؤجَّل… لا عليك منه.
ثم مضى كلٌّ منّا إلى غايته.