ذكرت صحيفة «القدس العربي» أن المؤشرات السياسية والدبلوماسية تشير إلى اقتراب تنفيذ قرار مجلس الأمن المتعلق بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، والتي تتضمن تشكيل كل من «مجلس السلام» و**«اللجنة الإدارية»** المكلفة بإدارة شؤون القطاع، إلا أن الخلافات الفلسطينية والدولية حول طبيعة اللجنة الثانية ودورها ومرجعيتها لا تزال قائمة.
ونقلت الصحيفة عن مصدر في السلطة الفلسطينية أن حركتي «فتح» و«حماس» لم تتوصلا حتى الآن إلى اتفاق نهائي بشأن تشكيل اللجنة الإدارية، سواء من حيث آلية التشكيل أو القائمة النهائية للأسماء المطروحة، باستثناء التوافق على أن يتولى وزير الصحة في الحكومة الفلسطينية، الدكتور ماجد أبو رمضان، رئاسة اللجنة، دون حسم هوية بقية أعضائها.
وأوضح المصدر أن حركة «حماس» كانت قد سلّمت الوسطاء قائمة تضم عدداً من المرشحين، عقب مشاورات مع فصائل فلسطينية، وذلك قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. كما جرى لقاء في 23 من الشهر ذاته بالقاهرة بين نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ ووفد قيادي من «حماس»، تم خلاله الاتفاق مبدئياً على عقد لقاء فصائلي ثانٍ، غير أن هذا اللقاء تأجل مراراً بسبب استمرار الخلافات حول إدارة المرحلة المقبلة في غزة، دون تحديد موعد جديد له حتى الآن.
ووفق المعلومات المتوفرة، لم تعتمد حركة «فتح» والقيادة الفلسطينية قائمة الأسماء التي قدمتها «حماس»، رغم أنها تضم شخصيات مستقلة، إذ تؤكد القيادة الفلسطينية أن تشكيل اللجنة الإدارية يجب أن يتم من قبلها، باعتبارها الجهة المخولة بالإشراف على الهيئات التي ستدير القطاع.
وتُعد «اللجنة الإدارية» مقترحاً مصرياً جرى تبنيه عربياً، كما أُدرج ضمن خطة الرئيس الأميركي لوقف إطلاق النار التي أقرها مجلس الأمن. وتقوم الفكرة على تشكيل لجنة من شخصيات مستقلة ذات خبرات متعددة، تتولى إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الثانية من الاتفاق، ضمن إطار زمني محدد، على أن تعود إدارة القطاع بالكامل لاحقاً إلى السلطة الفلسطينية.
وبحسب المصدر، لا تعارض السلطة الفلسطينية أن تضم اللجنة شخصيات مستقلة غير منتمية حزبياً، لكنها ترفض أي تدخل أو دور مباشر لحركة «حماس» في عملها. وأوضح أن الخطة الفلسطينية تقوم على تشكيل لجنة تكنوقراط، يتولى كل عضو فيها ملفاً خدمياً محدداً، يشمل الإغاثة، الإيواء، المساعدات الإنسانية، وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، مع التشديد على رفض إشراك «حماس» في إدارة هذه المرحلة.
وفي المقابل، أعلن الناطق باسم حركة «حماس» حازم قاسم، مع اقتراب الإعلان الأميركي عن تشكيل «مجلس السلام»، أن الحركة أصدرت تعليمات للجهات الحكومية في غزة بالاستعداد لتسليم المؤسسات الحكومية للجنة تكنوقراط فلسطينية، مؤكداً وجود قرار نهائي بهذا الشأن، وتوجيهات بتسهيل عملية الاستلام لإنجاح عمل اللجنة، بما يخدم المصلحة الوطنية وتنفيذ خطة وقف الحرب.
كما أكد القيادي في «حماس» باسم نعيم استعداد الحركة للتعاطي الإيجابي مع المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب، مشيراً إلى إبلاغ الوسطاء بموقف الحركة الداعم لتشكيل جسم فلسطيني يتولى إدارة القطاع، وفتح المعابر في الاتجاهين، وانسحاب الحركة من المشهد الحكومي.
غير أن القيادة الفلسطينية تشدد على أن هذا الانسحاب يجب أن يتم عبر نقل كامل الصلاحيات المدنية والأمنية في غزة إلى السلطة الفلسطينية، وتولي مؤسساتها الإدارية والأمنية المسؤولية الكاملة.
خلافات مع إسرائيل
وكشف المصدر عن خلافات جوهرية مع إسرائيل بشأن مهام اللجنة ومرجعيتها، يجري بحثها حالياً عبر وساطات عربية مع الإدارة الأميركية. وأوضح أن إسرائيل ترفض منح السلطة الفلسطينية أي دور فعلي في الإشراف أو الإدارة أو رسم السياسات، وتسعى إلى حصر عمل اللجنة في الجوانب الخدمية فقط، دون إشراف على ملفات كبرى مثل إعادة الإعمار.
وبحسب الطرح الإسرائيلي، تعمل اللجنة تحت مظلة «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي يضم 15 دولة عربية وأجنبية، بحيث يتولى المجلس رسم المستقبل السياسي لغزة، بينما تنفذ اللجنة المهام الخدمية ضمن نظام مالي منفصل عن السلطة الفلسطينية وتحت إشراف مباشر من المجلس.
وأفادت الصحيفة بأن الإدارة الأميركية أبدت موافقة مبدئية على هذا التوجه، مع تحديد مدة زمنية لعمل اللجنة، تنتقل بعدها صلاحيات إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية، على أن يكون ارتباط اللجنة بالسلطة في بدايته ارتباطاً شكلياً.
ومع تسارع التطورات واقتراب الإعلان عن «مجلس السلام» واللجنة الإدارية، عبّرت القيادة الفلسطينية عن رفضها للخطط التي تصوغها حكومة اليمين الإسرائيلية، معتبرة أنها تمهد لفصل غزة عن الضفة الغربية وإعادة طرح «صفقة القرن» بصيغة جديدة.
وأكد المصدر أن السلطة الفلسطينية قدمت تصوراً بديلاً يقضي بأن تكون اللجنة الإدارية إحدى أدوات الحكومة الفلسطينية برئاسة الدكتور محمد مصطفى، تعمل وفق برنامج منظمة التحرير الفلسطينية المعترف به دولياً، وتنفذ خطط الإغاثة والإعمار ضمن إطار السيادة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، كثفت القيادة الفلسطينية تحركاتها الإقليمية والدولية، شملت زيارات رسمية إلى القاهرة والرياض والدوحة، ولقاءات مع المبعوث الأممي السابق نيكولاي ميلادينوف، إضافة إلى جولات الرئيس محمود عباس في عواصم أوروبية، للتأكيد على تنفيذ خطة إصلاح داخل السلطة، وهو شرط أساسي لإعادة دعمها دولياً وتمكينها من إدارة غزة.
وأكد الرئيس عباس خلال اجتماع المجلس الثوري لحركة «فتح» رفضه تقسيم غزة، مشدداً على أن القطاع جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية إلى جانب الضفة الغربية والقدس الشرقية، وطالب بانسحاب الاحتلال الكامل، وبتبعية اللجنة الإدارية للحكومة الفلسطينية تمهيداً لإعادة الإعمار دون تهجير.
كما شدد نائب الرئيس حسين الشيخ، خلال لقائه مع ميلادينوف، على ضرورة الربط السياسي والإداري والقانوني بين مؤسسات غزة والسلطة الوطنية، مؤكداً أن السلطة الفلسطينية هي الجهة صاحبة السيادة والشرعية.
وتشير التقديرات إلى أن الطريق أمام تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال معقداً، في ظل توقعات باستمرار إسرائيل في تعطيل الانتقال إليها، وهو ما أكدته لقاءات فلسطينية مع أطراف عربية ودولية، إضافة إلى تصريحات من «حماس» حمّلت فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مسؤولية عرقلة الاتفاق، والسعي للعودة إلى التصعيد العسكري لأهداف سياسية داخلية.