شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 7 مايو 2026

عندما تتحول الجرذان إلى “خط أحمر”.. حملات التشويه الحمساوية تكشف خوفها من أي مبادرة مستقلة

عندما تتحول الجرذان إلى “خط أحمر”.. حملات التشويه الحمساوية تكشف خوفها من أي مبادرة مستقلة

في مشهد يكاد يكون سريالياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خرجت أصوات محسوبة على ماكينة الدعاية التابعة لحركة حماس للهجوم على حملة شعبية تهدف إلى مكافحة الجرذان في قطاع غزة، وكأن القطاع المنكوب الذي يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث لم يعد ينقصه سوى الدفاع الإعلامي عن القوارض!

الهجوم الذي شنّه ذو الفقار سويرجو ضد حملة مقاطعة الجرذان في غزة لم يكن مجرد “رأي شخصي” عابر، بل جاء متناغماً بصورة لافتة مع الخطاب المعتاد للذباب الإلكتروني الحمساوي، ذلك الخطاب الذي لا يتوقف عن مهاجمة أي جهد مستقل أو مبادرة شعبية لا تمر عبر بوابة التنظيم أو لا تخضع لهيمنته المباشرة.

المفارقة الصادمة أن غزة اليوم تغرق في الأزمات الصحية والبيئية بشكل غير مسبوق. أكوام النفايات تملأ الشوارع، البنية التحتية منهارة، الأمراض تتفشى، والمخيمات العشوائية أصبحت بيئة مثالية لتكاثر الجرذان والحشرات. وفي ظل هذا الواقع الكارثي، كان من الطبيعي أن يرحب أي عاقل بأي حملة تهدف إلى الحد من هذه الظواهر الخطيرة التي تهدد حياة الناس، لا أن يتم التحريض عليها أو السخرية منها.

لكن المشكلة الحقيقية لدى ماكينة حماس الإعلامية لا تتعلق بالجرذان نفسها، بل بما تمثله المبادرات المستقلة من إحراج مباشر لسلطة فشلت في إدارة القطاع على مدار سنوات طويلة. فحين يتحرك صحفي أو ناشط أو مجموعة شبابية لمحاولة معالجة أزمة عامة بجهود فردية، فإن ذلك يفضح تلقائياً حجم الغياب الرسمي والعجز الإداري والانهيار المؤسساتي الذي تعيشه غزة.

ولهذا السبب تحديداً تنطلق جيوش الذباب الإلكتروني بسرعة جنونية للهجوم والتخوين والتشويه. إنها الآلية ذاتها التي استخدمت مراراً ضد الصحفيين والنشطاء وكل من حاول توجيه النقد أو إطلاق مبادرات إنسانية بعيداً عن الاصطفاف الحزبي. أي صوت خارج السرب يصبح هدفاً، وأي مبادرة مستقلة تتحول إلى “مؤامرة”، وأي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تواجه بحملات منظمة من الإساءة والتشكيك.

الأخطر في خطاب بعض المدافعين عن هذا النهج أنهم يتعاملون مع معاناة الناس وكأنها مادة للدعاية السياسية فقط. فالحديث عن الجرذان في غزة ليس “ترفاً”، بل قضية صحية حقيقية ترتبط بانتشار الأوبئة والتلوث وانعدام الحد الأدنى من شروط الحياة الآمنة. أطفال يعيشون وسط مخيمات مكتظة، عائلات تنام قرب النفايات، ومياه ملوثة تتدفق بين الخيام. في مثل هذه الظروف، تصبح مكافحة القوارض ضرورة إنسانية عاجلة، لا مادة للسخرية أو الهجوم السياسي.

غير أن العقلية التي أدمنت إدارة الأزمات بالشعارات لا تستطيع تقبل فكرة أن المجتمع قد يتحرك بنفسه بعيداً عن الوصاية التنظيمية. ولذلك نرى هذا الغضب المبالغ فيه تجاه حملات بسيطة هدفها حماية الناس. وكأن المطلوب من سكان غزة أن يصمتوا على كل شيء: على الحرب، وعلى الفقر، وعلى القهر، وعلى التلوث، وحتى على الجرذان!

إن أخطر ما أنتجته سنوات هيمنة حماس على القطاع ليس فقط الانهيار السياسي أو الاقتصادي، بل أيضاً ثقافة التخوين المنظمة، حيث يتم تسخير كتائب إلكترونية كاملة لملاحقة أي رأي مخالف أو مبادرة مستقلة. هذه اللجان لا تناقش الأفكار بقدر ما تمارس التشويه الشخصي والتحريض والإغراق في الإسفاف، في محاولة لإرهاب الناس ودفعهم إلى الصمت.

وما حدث مع حملة مكافحة الجرذان يكشف بوضوح حجم الأزمة الأخلاقية والإعلامية التي وصلت إليها هذه المنظومة الدعائية. فبدلاً من توجيه الجهود نحو معالجة الكارثة البيئية التي تعيشها غزة، يتم توجيه السهام نحو من يحاولون دق ناقوس الخطر. وبدلاً من الاعتراف بالتقصير، يجري اختراع معارك وهمية ضد حملات إنسانية لا تملك سوى نية المساعدة.

غزة اليوم تحتاج إلى من ينقذ ما تبقى من حياة الناس، لا إلى مزيد من الخطابات الجوفاء والمعارك العبثية. تحتاج إلى تنظيف الشوارع، وإصلاح البنية الصحية، ومواجهة الكوارث البيئية، وحماية الأطفال من الأمراض، لا إلى جيوش إلكترونية تعتبر الدفاع عن التنظيم أهم من الدفاع عن الإنسان.

أما محاولات السخرية من حملات مكافحة الجرذان أو مهاجمتها، فلن تغيّر الحقيقة الأساسية: حين تصبح القوارض جزءاً من المشهد اليومي في حياة الناس، فإن الكارثة ليست في الحديث عنها، بل في الصمت عليها.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.