لم تعد الخلافات داخل حركة حماس مجرد همسات تدور في الغرف المغلقة أو تسريبات محدودة تتناقلها وسائل الإعلام، بل أصبحت واقعاً سياسياً وتنظيمياً يفرض نفسه بقوة على المشهد الفلسطيني، خصوصاً بعد الحرب المدمرة على قطاع غزة وما رافقها من انهيارات إنسانية وسياسية وأمنية غير مسبوقة. فالحركة التي لطالما حاولت إظهار نفسها كجسم موحد ومنضبط، تبدو اليوم أمام واحدة من أخطر مراحلها الداخلية، حيث تتصاعد الانقسامات بين أجنحتها المختلفة، وتتعمق حالة فقدان الثقة بين قيادات الداخل والخارج، وسط صراع واضح على النفوذ والقرار ومستقبل الحركة نفسها.
في قلب هذه الأزمة يقف السؤال الأخطر: من يملك القرار الحقيقي داخل حماس؟ وهل تحولت الحركة من تنظيم سياسي ذي مرجعية جماعية إلى كيان تحكمه حسابات عسكرية ضيقة ومراكز قوى متصارعة؟
تشير العديد من التقارير والتحليلات السياسية إلى أن هجوم السابع من أكتوبر شكّل نقطة تحول حاسمة داخل بنية الحركة، ليس فقط بسبب نتائجه العسكرية والسياسية، بل لأنه كشف حجم الانقسام في آلية اتخاذ القرار. فهناك أصوات داخل الحركة، خاصة من قيادات الخارج وبعض الشخصيات السياسية، اعتبرت أن قرار الدخول في مواجهة شاملة تم بطريقة منفردة، وأن قيادة غزة وعلى رأسها يحيى السنوار دفعت بالحركة والمنطقة إلى معركة كارثية دون توافق حقيقي داخل المؤسسات التنظيمية.
هذا الواقع خلق حالة غضب مكتوم داخل صفوف الحركة، خصوصاً مع تزايد الخسائر البشرية الهائلة في غزة، والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية، وتراجع قدرة حماس على إدارة القطاع أو توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للسكان. ومع استمرار الحرب وتضخم الأزمة الإنسانية، بدأت أصوات داخلية تتحدث بوضوح عن فشل الإدارة السياسية والعسكرية، وعن الحاجة لمراجعات جذرية قبل انهيار ما تبقى من صورة الحركة.
الخلاف الآخر الأكثر وضوحاً يتمثل في الصراع بين تيارين رئيسيين داخل حماس؛ الأول يقوده تيار خالد مشعل، الذي يحاول الدفع نحو إعادة تشكيل الحركة كحزب سياسي أكثر براغماتية وانفتاحاً على التفاهمات الإقليمية والدولية، مع التركيز على البعد السياسي والدبلوماسي. أما التيار الثاني، المرتبط بخليل الحية والجناح العسكري، فيرفض أي تحول يمس هوية الحركة المسلحة، ويتمسك بخيار المقاومة العسكرية والتحالف الوثيق مع إيران ومحور الإقليم الداعم لها.
هذا الصراع ليس فكرياً فقط، بل يمتد إلى معركة نفوذ حقيقية داخل مؤسسات الحركة، خاصة بعد تراجع دور بعض القيادات التقليدية واغتيال شخصيات مؤثرة، ما فتح الباب أمام إعادة توزيع مراكز القوة. ويبدو أن الجناح العسكري بات يمتلك تأثيراً أكبر من أي وقت مضى، في مقابل تراجع الدور السياسي والتنظيمي، الأمر الذي يثير مخاوف داخلية من عسكرة القرار بالكامل وإقصاء الأصوات المختلفة.
كما أن ملف المفاوضات ووقف إطلاق النار كشف بدوره حجم الانقسام الداخلي. فبينما ترى بعض القيادات أن استمرار الحرب دون أفق سياسي سيؤدي إلى كارثة شاملة على غزة وعلى مستقبل الحركة، يتمسك تيار آخر بخطاب التصعيد ورفض أي تنازلات، حتى ولو كان الثمن مزيداً من الدمار والمعاناة للسكان المدنيين. هذا التناقض انعكس بشكل واضح على أداء الحركة في المفاوضات، وعلى الرسائل المتضاربة التي تصدر من قياداتها بين الداخل والخارج.
ولعل أخطر ما تواجهه حماس اليوم ليس فقط الانقسام السياسي، بل أزمة الشرعية الشعبية داخل غزة نفسها. فمع تصاعد معاناة المواطنين، وتفشي الفقر والجوع والنزوح، بدأت تتزايد حالة الغضب الشعبي تجاه الأداء الحكومي والإداري للحركة، خصوصاً مع اتهامات بوجود امتيازات لفئات معينة، وغياب العدالة، وفشل المؤسسات المحلية في التعامل مع الكارثة الإنسانية.
وفي الوقت الذي تحاول فيه قيادة الحركة الظهور بمظهر الصمود والثبات، تكشف الوقائع اليومية أن حماس تواجه أزمة مركبة: أزمة قيادة، وأزمة قرار، وأزمة ثقة داخلية وشعبية. كما أن التحولات الإقليمية والدولية تضع الحركة أمام تحديات غير مسبوقة، خاصة مع تراجع الدعم السياسي في بعض الساحات، وتزايد الضغوط المتعلقة بمستقبل غزة وترتيبات ما بعد الحرب.
إن ما يجري داخل حماس اليوم لا يمكن وصفه بخلافات عابرة أو تباينات طبيعية، بل هو صراع عميق على هوية الحركة واتجاهها ومستقبلها السياسي والعسكري. فهناك من يريد إعادة تقديم الحركة كفاعل سياسي قادر على التكيف مع المتغيرات، وهناك من يصر على إبقاء القرار بيد الجناح العسكري ومنطق المواجهة المفتوحة مهما كانت الكلفة.
وبين هذا وذاك، يبقى المواطن الفلسطيني في غزة هو الضحية الأولى لصراعات النفوذ والحسابات الإقليمية والمغامرات السياسية، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لمعاناة الناس وحقوقهم بعيداً عن الانقسامات والأجندات الضيقة.