في الوقت الذي يعيش فيه أبناء قطاع غزة واحدة من أصعب المراحل الإنسانية والسياسية في تاريخهم، يخرج بين الحين والآخر بعض الأصوات المأجورة التي كرّست نفسها لخدمة أجندات التحريض والتخوين، عبر حملات منظمة تستهدف النشطاء الفلسطينيين وكل من يرفع صوته اعتراضاً على ممارسات حركة حماس القمعية والفاشلة. ومن بين هذه الأصوات يبرز المدعو “أبو أحمد سمور”، الذي تحوّل إلى نموذج فجّ للخطاب السوقي والانحدار الأخلاقي في التعاطي مع أبناء شعبه.
فبدلاً من توجيه البوصلة نحو الاحتلال وجرائمه المتواصلة بحق غزة وأهلها، ينشغل هذا الشخص بمهاجمة النشطاء الفلسطينيين، مستخدماً ألفاظاً نابية وعبارات تحريضية لا تمت للأخلاق الوطنية بصلة، في محاولة واضحة لإرهاب الأصوات الحرة وإسكات كل من يرفض تحويل غزة إلى ساحة مغلقة يحكمها القمع والخوف والابتزاز الفكري.
لقد بات واضحاً أن حملات التشويه التي يقودها أمثال أبو أحمد سمور ليست اجتهادات فردية عشوائية، بل تأتي ضمن ماكينة إلكترونية منظمة تعتمد على فبركة المنشورات، واقتطاع التصريحات، وترويج الأكاذيب بحق المعارضين والنشطاء والصحفيين وأبناء حركة فتح وكل الشخصيات الوطنية المستقلة التي ترفض الانصياع لسياسات الأمر الواقع التي فرضتها حماس بالقوة على قطاع غزة.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط كمية الشتائم والانحدار اللغوي، بل محاولة صناعة بيئة تخوين ممنهجة، يتم فيها تصوير أي صوت ناقد وكأنه “خائن” أو “عميل” أو “مأجور”، بينما الحقيقة أن كثيراً من هؤلاء النشطاء هم أبناء غزة الحقيقيون الذين دفعوا أثماناً باهظة من حياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم بسبب تمسكهم بحرية الرأي ورفضهم للفساد والاستبداد.
أبناء غزة اليوم يدركون جيداً أن بعض الحسابات والمواقع المشبوهة لم تعد تملك أي مشروع وطني حقيقي، بل تحولت إلى أبواق إلكترونية مهمتها الوحيدة نشر الكراهية والتحريض الداخلي وتمزيق النسيج الوطني الفلسطيني. فحين يعجز أصحاب هذه المنصات عن مواجهة الحقائق، يلجؤون إلى الإسفاف اللفظي وفبركة المنشورات وتلفيق المواقف لإشعال الفتن وضرب الشخصيات الوطنية.
وما يقوم به أبو أحمد سمور يعكس حالة الإفلاس السياسي والأخلاقي التي وصلت إليها بعض أدوات التحريض التابعة للذباب الإلكتروني. فاللغة التي يستخدمها ضد أبناء شعبه لا يمكن فصلها عن ثقافة الإقصاء والتكميم التي أوصلت غزة إلى حالة الاختناق الحالية، حيث أصبح المواطن يخشى التعبير عن رأيه خوفاً من حملات التشهير أو الاستهداف المعنوي.
ورغم كل هذه المحاولات، فإن الحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن غزة مليئة بالأصوات الحرة التي ترفض الاستسلام للترهيب الإعلامي. فالنشطاء الفلسطينيون الذين يتم استهدافهم اليوم هم جزء أصيل من النسيج الوطني، وهم أصحاب حق في التعبير عن غضبهم من الفساد والفشل والانقسام واستغلال معاناة الناس لمصالح حزبية ضيقة.
لقد سقطت الأقنعة عن كثير من المحرضين الذين يدّعون الدفاع عن المقاومة بينما يمارسون أبشع أشكال القمع المعنوي بحق أبناء شعبهم. فالمقاومة الحقيقية لا تكون بإهانة الفلسطينيين ولا بتخوين الجوعى والمقهورين، ولا بتحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات للسب والشتم والتشهير، بل تكون بحماية كرامة المواطن والدفاع عن وحدته الوطنية وصون حقه في التعبير الحر.
إن استمرار هذه الحملات السوداء لن ينجح في إسكات الأصوات الوطنية، بل سيكشف أكثر فأكثر حجم الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها أدوات التحريض الإلكتروني. أما أبناء غزة الأحرار، فسيبقون أوفياء للحقيقة، متمسكين بحقهم في مواجهة القمع والكذب، مهما ارتفعت أصوات الشتائم ومهما حاولت حسابات التخوين تزوير الواقع.