في كل محطة مفصلية تمر بها القضية الفلسطينية، تعود ماكينة التحريض الإلكتروني لتعمل بأقصى طاقتها، وتخرج عشرات الصفحات والمواقع المشبوهة المرتبطة بحركة حماس ولجانها الإلكترونية لتشن هجوماً منظماً ضد حركة فتح، وهذه المرة عبر استهداف المؤتمر الثامن للحركة ومحاولة تشويه صورته أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي.
الهجمة الأخيرة لم تكن مجرد انتقاد سياسي طبيعي، بل حملة ممنهجة تعتمد على فبركة التصريحات، واقتطاع الكلمات من سياقها، وصناعة روايات وهمية حول “فقدان حركة فتح لتاريخها” أو “تخليها عن الثوابت الوطنية”، في محاولة مكشوفة لضرب مكانة الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى دفاعاً عن الهوية الوطنية الفلسطينية.
ويأتي هذا الهجوم بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، والذي يمثل محطة تنظيمية وسياسية مهمة للحركة بعد سنوات طويلة من التحديات والتحولات. المؤتمر انعقد بمشاركة واسعة وغير مسبوقة، وناقش ملفات سياسية وتنظيمية مصيرية تتعلق بمستقبل الحركة والنظام السياسي الفلسطيني.
اللافت أن صفحات التحريض التابعة لحماس لم تكتفِ بمهاجمة قيادات فتح أو التشكيك بالمؤتمر، بل ذهبت إلى محاولة تزوير وعي الجمهور عبر نشر “تصريحات مفبركة” ونسبها إلى قيادات فتحاوية، تتحدث زوراً عن التخلي عن المقاومة أو التنكر لتاريخ الحركة، في أسلوب بات معروفاً لدى ما يسمى “الذباب الإلكتروني”، القائم على تكرار الأكاذيب وصناعة حالة من الفوضى الإعلامية.
هذه الحملات ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر تنظيماً وخطورة مع تطور أدوات الإعلام الرقمي، حيث تعتمد على حسابات وهمية وصفحات مجهولة ومواقع تعمل خارج المعايير المهنية والأخلاقية، هدفها خلق انطباع زائف بوجود غضب شعبي واسع ضد فتح ومؤتمرها الثامن، بينما الحقيقة أن كثيراً من هذه الحسابات تدار بطريقة مركزية ومنظمة لإغراق الفضاء الإلكتروني بخطاب التحريض والكراهية والتشويه.
الدراسات الحديثة حول الحملات الإلكترونية الموجهة تؤكد أن “الجيوش الرقمية” أصبحت أداة سياسية تستخدم للتلاعب بالرأي العام ونشر المعلومات المضللة والتأثير على النقاشات العامة. وهذا تماماً ما يحدث في الساحة الفلسطينية اليوم، حيث تحاول بعض الجهات تحويل مواقع التواصل إلى منصات للاغتيال المعنوي ونشر الإشاعات بدل أن تكون مساحة للحوار الوطني المسؤول.
الأخطر في هذه الحملة أنها تأتي في لحظة وطنية حساسة يعيش فيها الشعب الفلسطيني حرباً مفتوحة وعدواناً مستمراً على غزة والضفة والقدس، بينما كان المطلوب توحيد الصف الوطني وتعزيز الخطاب الوطني الجامع، لا الانشغال بإطلاق حملات تخوين وتحريض ضد أكبر حركة وطنية فلسطينية.
إن استهداف المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس مجرد خلاف تنظيمي أو تنافس سياسي، بل محاولة لضرب الشرعية الوطنية الفلسطينية وإضعاف أي حالة فلسطينية جامعة يمكن أن تعيد ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني. ولذلك تحاول بعض الأطراف تصوير فتح وكأنها “انتهت” أو “فقدت تاريخها”، رغم أن الحركة ما زالت تمثل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وما زالت صاحبة الحضور الأكبر في المؤسسات الوطنية والسياسية والدبلوماسية الفلسطينية.
ومن المفارقات المثيرة للسخرية أن الجهات التي تتهم فتح بفقدان تاريخها، هي ذاتها التي ساهمت في تكريس الانقسام الفلسطيني، وأدخلت القضية الفلسطينية في صراعات إقليمية ومحاور خارجية، وأغرقت غزة في أزمات سياسية وإنسانية واقتصادية لا تنتهي.
فتح ليست حركة عابرة حتى يتم شطب تاريخها بمنشور مفبرك أو حملة إلكترونية رخيصة. فتح تاريخ طويل من الثورة والنضال والعمل السياسي والدبلوماسي والكفاح الوطني، وهي الحركة التي حملت اسم فلسطين إلى العالم، وقدمت قادتها وشهداءها من أجل استقلال الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.
أما الذباب الإلكتروني، فمهما ارتفع صوته، يبقى مجرد أداة مؤقتة تعيش على الإشاعة والتحريض وتزييف الوعي. والتاريخ أثبت أن الحملات الإلكترونية قد تصنع ضجيجاً لساعات أو أيام، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقائق أو تغيير التاريخ أو إسقاط الحركات الوطنية الكبرى.
المؤتمر الثامن لحركة فتح سيبقى محطة سياسية وتنظيمية مهمة في تاريخ الحركة، شاءت لجان التحريض أم أبت، وستظل فتح رقماً صعباً في المعادلة الفلسطينية، مهما حاولت بعض المواقع المشبوهة تشويه صورتها أو الطعن بتاريخها النضالي.