في كل مرحلة تمرّ بها القضية الفلسطينية، تخرج منصات مشبوهة وصفحات إلكترونية مرتبطة بأجندات حزبية ضيقة لتبث روايات مضللة تدّعي أن حركة فتح انتهت أو فقدت حضورها وتأثيرها الوطني. لكن هذه الحملات، مهما ارتفع صوتها، تصطدم بحقائق التاريخ والسياسة والواقع الفلسطيني، لأن حركة فتح ليست تنظيماً عابراً يمكن شطبه بمنشور إلكتروني أو حملة تحريض على مواقع التواصل، بل هي حركة وطنية قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود وما تزال تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية.
لقد تأسست حركة فتح في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وأعلنت انطلاقتها الرسمية عام 1965، لتصبح أول وأكبر حركة تحرر وطني فلسطينية تقود الكفاح الوطني ضد الاحتلال. ومنذ ذلك التاريخ، دفعت الحركة آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، وقدّمت قيادات تاريخية صنعت الهوية السياسية الفلسطينية ورسّخت حضور فلسطين على الخارطة الدولية.
الادعاء بأن فتح انتهت ليس سوى أمنية سياسية تروج لها أطراف تدرك جيداً أن الحركة، رغم كل التحديات، ما تزال صاحبة الامتداد الشعبي والتنظيمي الأكبر داخل الأراضي الفلسطينية والشتات. والدليل الأوضح على ذلك انعقاد المؤتمر العام الثامن للحركة هذا الشهر بمشاركة آلاف الأعضاء من الوطن والخارج، في مشهد يعكس قدرة تنظيمية وحضوراً جماهيرياً لا يمكن إنكاره.
إن الحملة الإلكترونية التي تقودها منصات محسوبة على حركة حماس تقوم على التضليل والتلاعب بالرأي العام، عبر اجتزاء التصريحات، وفبركة الأخبار، وتصوير أي نقاش داخلي داخل فتح وكأنه “انهيار نهائي”. بينما الحقيقة أن الحركات الحية وحدها هي التي تناقش وتراجع وتنتخب وتجدد قياداتها. أما التنظيمات المغلقة التي تخشى الديمقراطية الداخلية، فهي آخر من يحق له الحديث عن مستقبل الحركات الوطنية.
فتح لم تختفِ من المشهد يوماً، بل بقيت في قلب المعركة السياسية والدبلوماسية والشعبية، وقادت الاعتراف الدولي بفلسطين، ورسخت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وخاضت المعارك السياسية في المحافل الدولية دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني. كما أن الحركة ما تزال حاضرة في كل المؤسسات الفلسطينية الرسمية والتنظيمية والشعبية، وما تزال قادرة على الحشد والتنظيم والتأثير.
المفارقة أن الجهات التي تروج لانتهاء فتح تدرك في قرارة نفسها أن الحركة ما تزال الرقم الأصعب فلسطينياً، ولذلك تواصل استهدافها بحملات التشويه المنظمة. فلو كانت فتح “منتهية” كما يزعمون، لما احتاجوا إلى هذا الكم من التحريض الإلكتروني والذباب الإعلامي لمحاربتها يومياً. الحقيقة أن هذه الحملات تعكس خوفاً سياسياً من قدرة فتح على استعادة زمام المبادرة وتجديد نفسها في لحظة فلسطينية حساسة.
ورغم كل الأزمات والانقسامات والضغوط، بقيت فتح قادرة على البقاء والتأثير، لأنها ليست مجرد قيادة أو لجنة أو مؤتمر، بل حالة وطنية متجذرة في الوعي الفلسطيني. الحركة التي صمدت أمام الحروب والاغتيالات والحصار والانشقاقات، لن تنتهي بسبب هاشتاغات ممولة أو صفحات مجهولة الهوية.
إن الشعب الفلسطيني يعرف جيداً من حمل راية القضية لعقود، ومن قدم التضحيات الكبرى، ومن صنع الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة. والتاريخ لا يُكتب بمنشورات إلكترونية عابرة، بل يُكتب بالتضحيات والنضال والحضور الشعبي. ولهذا ستبقى حركة فتح جزءاً أساسياً من المشهد الوطني الفلسطيني، مهما حاولت حملات التضليل تشويه الحقيقة أو تزوير الوعي.