في الوقت الذي تتعرض فيه مدينة الخليل لحملة استهداف إسرائيلية متواصلة تطال الأرض والإنسان والمقدسات، تخرج بعض المنصات المشبوهة التابعة للذباب الإلكتروني المرتبط بحركة حركة حماس بمحاولات رخيصة لترويج مزاعم مضللة تتهم حركة فتح بإهانة مدينة الخليل وأهلها، في مشهد يكشف حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه حملات التحريض والتضليل الممنهج على الساحة الفلسطينية.
هذه الحملات الإلكترونية لا يمكن فصلها عن سياسة الفوضى الإعلامية التي تنتهجها الجهات المحسوبة على حماس، والتي تقوم على اختلاق الأكاذيب، واجتزاء التصريحات، وفبركة المنشورات بهدف إثارة الفتنة بين أبناء الشعب الفلسطيني، وضرب وحدة النسيج الوطني، خصوصًا في المدن الفلسطينية ذات الثقل الوطني والتاريخي مثل مدينة الخليل، التي شكلت عبر عقود طويلة عنوانًا للصمود والنضال والتضحيات الوطنية.
إن أبناء الخليل يدركون جيدًا تاريخ حركة فتح، ويعرفون أن الحركة كانت وما زالت جزءًا أصيلًا من معركة الدفاع عن المدينة ومقدساتها، وفي مقدمتها الحرم الإبراهيمي الشريف، الذي يتعرض لسياسات تهويد إسرائيلية متواصلة وسط تحذيرات فلسطينية واسعة. ولذلك فإن محاولة تصوير فتح كأنها تعادي الخليل أو تسيء إليها ليست سوى محاولة بائسة لتزوير الوعي الفلسطيني وتزييف الحقائق.
لقد كانت حركة فتح حاضرة في كل تفاصيل المعركة الوطنية داخل الخليل، من مقاومة الاستيطان إلى دعم صمود المواطنين في البلدة القديمة، مرورًا بالدفاع السياسي والدبلوماسي عن المدينة في المحافل الدولية. وفي الوقت الذي تواجه فيه الخليل اعتداءات الاحتلال اليومية من اقتحامات واعتقالات وهدم للمنازل واعتداءات المستوطنين، ينشغل الذباب الإلكتروني التابع لحماس بإشعال معارك داخلية وهمية، وتوجيه البوصلة نحو التحريض الداخلي بدل مواجهة الاحتلال.
الخطير في هذه الحملات أنها لا تستهدف حركة فتح وحدها، بل تستهدف الحالة الوطنية الفلسطينية برمتها. فعندما يتم بث الإشاعات ضد مدينة بحجم الخليل، ومحاولة الإيحاء بوجود إساءة متعمدة لها من قبل حركة وطنية تاريخية، فإن الهدف الحقيقي هو تمزيق الصف الفلسطيني وإغراق المجتمع الفلسطيني في حالة من الشك والعداء الداخلي، بما يخدم الاحتلال الإسرائيلي بصورة مباشرة.
وليس خافيًا على أحد أن جيوش الحسابات الوهمية والصفحات الممولة باتت تستخدم أساليب ممنهجة في التضليل الإعلامي، تقوم على إعادة تدوير الأكاذيب، ونشر محتوى مجهول المصدر، وتوظيف لغة شعبوية تحريضية هدفها إثارة الغضب والانفعال دون أي أدلة أو وقائع حقيقية. وقد حذرت دراسات حديثة من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الإلكتروني المرتبط بالصراعات السياسية في المنطقة، وتأثيره الخطير على المجتمعات.
إن مدينة الخليل أكبر من أن تكون ورقة في بازار المزايدات الفصائلية، وأهلها أوعى من أن تنطلي عليهم حملات التحريض الرخيصة. فالخليل كانت دومًا قلعة وطنية فلسطينية دفعت ثمنًا باهظًا في مواجهة الاحتلال، وقدمت آلاف الأسرى والشهداء والمناضلين من مختلف الانتماءات الوطنية، وكانت حركة فتح جزءًا أصيلًا من هذا التاريخ النضالي.
أما الذين يحاولون الاستثمار في الانقسام الفلسطيني عبر حملات الشتائم والتخوين وفبركة الأخبار، فهم لا يقدمون أي خدمة للقضية الفلسطينية، بل يمنحون الاحتلال فرصة ذهبية لتعميق الانقسام الداخلي وإضعاف الجبهة الوطنية الفلسطينية. فالمعركة الحقيقية ليست بين فتح والخليل، بل بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الذي يواصل تهويد الأرض والمقدسات واستهداف الهوية الوطنية الفلسطينية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أوضح من كل حملات التضليل: الخليل مدينة وطنية عريقة، وحركة فتح كانت وستظل جزءًا من وجدانها الوطني، مهما حاولت منصات التحريض الإلكترونية تشويه الصورة أو بث الأكاذيب. فالتاريخ لا يُكتب بمنشورات الذباب الإلكتروني، بل يُكتب بتضحيات المناضلين وصمود المدن الفلسطينية في وجه الاحتلال.