شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 23 مايو 2026

بين فوضى الحرب واستعراض القوة.. من يدفع الثمن في غزة؟

بين فوضى الحرب واستعراض القوة.. من يدفع الثمن في غزة؟

في الوقت الذي يعيش فيه سكان قطاع غزة واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخهم الحديث، وبينما تتواصل الغارات الإسرائيلية والقتل اليومي وانهيار مقومات الحياة الأساسية، يبرز مشهد آخر يثير الكثير من التساؤلات والقلق داخل المجتمع الفلسطيني: عودة عناصر حماس الأمنية والمسلحة إلى الشوارع والمفترقات العامة تحت شعارات “فرض الأمن” و”منع الفوضى”. وقد أشارت تقارير إعلامية خلال فترات الهدنة السابقة إلى انتشار واسع لعناصر الأمن التابعة للحركة في مناطق مختلفة من القطاع بهدف إعادة فرض السيطرة وإظهار الحضور الميداني.

لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون في غزة اليوم: هل الهدف الحقيقي هو حماية المواطنين؟ أم أن الأمر يتعلق بإعادة ترسيخ الهيبة السياسية والعسكرية وإرسال رسائل داخلية مفادها أن الحركة ما زالت صاحبة القرار والنفوذ رغم حجم الكارثة التي حلت بالقطاع؟

المواطن بين مطرقة الاحتلال وسندان السلطة

منذ سنوات طويلة، يدفع المواطن الفلسطيني في غزة ثمن صراع متعدد الأطراف. الاحتلال الإسرائيلي يواصل حربه المدمرة، بينما يجد المدني نفسه أيضاً محاصراً داخل معادلات القوة الداخلية التي لا يملك أي قدرة على التأثير فيها.

ففي الوقت الذي تحتاج فيه غزة إلى حماية الأرواح وتقليل الخسائر البشرية، تظهر مجموعات مسلحة في الشوارع المكشوفة وتحت المراقبة الجوية الإسرائيلية الدائمة. ويرى منتقدون لهذا السلوك أن مثل هذه التحركات قد تعرّض عناصر الحركة أنفسهم للخطر في بيئة قتالية لا تخفى فيها التحركات على الطائرات وأجهزة المراقبة الإسرائيلية.

الأكثر إثارة للجدل أن غالبية من يتم الدفع بهم إلى الميدان ليسوا من كبار القيادات السياسية أو العسكرية، بل من الشباب والعناصر الميدانية الذين يتحولون إلى أهداف مباشرة في ساحة مفتوحة للحرب.

استعراض القوة في زمن الانهيار

حين تكون المدن مدمرة، والمستشفيات منهكة، والناس تبحث عن الطعام والماء والدواء، يصبح من الطبيعي أن يتوقع المواطن أن تكون الأولوية لإنقاذ ما تبقى من المجتمع.

لكن استعراض السلاح والنفوذ في هذه اللحظة يرسل رسالة مختلفة تماماً. فهو يوحي بأن معركة السيطرة الداخلية ما زالت قائمة حتى وسط الركام.

يرى كثير من الفلسطينيين أن الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد المسلحين المنتشرين في الشوارع، بل بقدرة الناس على العيش دون خوف، وبوجود مؤسسات مدنية قادرة على حماية المجتمع بعيداً عن منطق القوة المسلحة.

أما حين يتحول السلاح إلى وسيلة لترهيب الخصوم أو إسكات الأصوات المنتقدة أو فرض الهيبة السياسية، فإن مفهوم الأمن نفسه يصبح موضع شك.

خسارة مضاعفة

المأساة لا تكمن فقط في سقوط الضحايا نتيجة القصف الإسرائيلي، بل في أن الفلسطيني أصبح يخسر أبناءه مرتين: مرة في مواجهة الاحتلال، ومرة أخرى عندما يُدفع بعضهم إلى مواقع ومهام تزيد من احتمالات استهدافهم.

وإذا كانت أي حركة سياسية تدّعي الدفاع عن شعبها، فإن مسؤوليتها الأولى يجب أن تكون حماية الإنسان الفلسطيني لا الزج به في معارك استعراضية أو حسابات نفوذ داخلي.

فالقوة الحقيقية لا تُقاس بقدرة أي فصيل على ملء الشوارع بالمسلحين، وإنما بقدرته على الحفاظ على حياة الناس وصون كرامتهم وفتح الطريق أمام مستقبل أفضل لأبنائهم.

غزة تحتاج إلى الحياة لا إلى مزيد من الخوف

اليوم، وبعد سنوات من الحروب والانقسامات والدمار، لم يعد المواطن الفلسطيني يبحث عن الشعارات الكبيرة بقدر ما يبحث عن الأمان والخبز والدواء والمستقبل.

غزة لا تحتاج إلى مشاهد جديدة من استعراض القوة، بل تحتاج إلى مشروع وطني يعيد للإنسان الفلسطيني مكانته وحقه في الحياة الكريمة.

فالتاريخ لا يخلّد من امتلك السلاح أكثر، بل يخلّد من حمى شعبه وصان كرامته. أما الذين يحولون معاناة الناس إلى أدوات للسيطرة أو النفوذ، فإنهم يضيفون فصلاً جديداً إلى مأساة شعب أنهكته الحروب وأثقلته الخيبات.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.