في كل مرة يخرج فيها ناشط من غزة ليعترض على القمع أو الفوضى أو استغلال معاناة الناس، تبدأ ماكينة التخوين بالعمل فورًا. لا نقاش، لا رد على الوقائع، لا مواجهة للحقيقة، بل سيل من الاتهامات الجاهزة: “عميل”، “مرتبط بوحدة 8200”، “يخدم الاحتلال”، وكأن مجرد انتقاد ممارسات حركة حماس أصبح جريمة تستوجب الإعدام المعنوي.
هذه الحملات لم تعد تصرفات فردية عشوائية، بل تحولت إلى أسلوب منظم تديره حسابات وصفحات ولجان إلكترونية متخصصة في التحريض والتشويه. الهدف واضح: إرهاب الناس ومنعهم من الكلام، وتحويل أي صوت حر إلى هدف لحملات السب والتشهير والتخوين.
المفارقة الصادمة أن من يوزعون تهم العمالة صباح مساء، هم أنفسهم الذين يرفضون أي مساحة للنقاش أو النقد أو كشف الأخطاء. فبدل مواجهة الواقع الكارثي الذي يعيشه سكان غزة من فقر وخوف وانهيار وخسائر بشرية هائلة، يتم الهروب إلى صناعة “عدو داخلي” جديد اسمه: الناشط المعارض.
إن اتهام كل معارض بأنه يتبع لوحدة 8200 الإسرائيلية ليس سوى محاولة رخيصة لإعدام الحقيقة وتشويه الوعي العام. ووحدة 8200 معروفة عالميًا بأنها إحدى أخطر وحدات الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية والمتخصصة بالمراقبة والتجسس والحرب الإلكترونية. لكن تحويل اسم هذه الوحدة إلى “تهمة جاهزة” ضد كل من يرفع صوته في غزة، يكشف حجم الإفلاس السياسي والأخلاقي لدى من يديرون هذه الحملات.
الأخطر أن هذه البيئة التحريضية تخلق حالة رعب اجتماعي تدفع الناس إلى الصمت خوفًا من التشهير أو الملاحقة أو التحريض عليهم. وهكذا تصبح معاناة المدنيين وآلامهم ملفًا ممنوعًا، ويُختزل الوطن في جماعة، وتُختزل الوطنية في الطاعة العمياء.
الناشط الغزي الذي يرفض القمع أو ينتقد الفساد أو يطالب بحياة كريمة ليس خائنًا، بل إنسان يحاول الدفاع عن حقه الطبيعي في الحياة والكرامة. أما تحويل مواقع التواصل إلى ساحات تخوين واغتيال معنوي، فهو خدمة مجانية للفوضى والانقسام والكراهية.
غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من لجان الذباب الإلكتروني، بل تحتاج إلى مساحة للحقيقة، وإلى أصوات شجاعة ترفض تحويل الناس إلى رهائن للخوف والتخوين. فالوطن لا يُحمى بإسكات الناس، ولا تُبنى القضايا العادلة عبر حملات التشهير، بل بالعدالة والحرية واحترام الإنسان.
إن أخطر ما يواجه المجتمع الفلسطيني اليوم ليس فقط العدوان الخارجي، بل أيضًا ثقافة التخوين التي تحاول سحق أي صوت مختلف. وعندما يصبح النقد “عمالة”، والحقيقة “مؤامرة”، والمعارض “جاسوسًا”، فإننا نكون أمام محاولة منظمة لإلغاء المجتمع نفسه وتحويله إلى قطيع خائف لا يملك حق الكلام.