لم يعد خافياً على أحد أن جزءاً كبيراً من ماكينة الدعاية التابعة لحركة حماس يعيش حالة انفصال كامل عن الواقع الكارثي الذي يمر به قطاع غزة. فبينما يواصل الجيش الإسرائيلي توسيع عملياته العسكرية شرق القطاع، ويعزز سيطرته على مساحات واسعة وصلت وفق تقارير وتصريحات إسرائيلية إلى نحو 60% من مساحة غزة، تنشغل لجان الذباب الإلكتروني بحروب جانبية تستهدف الأصوات الفلسطينية المعارضة لسياسات الحركة، وفي مقدمتها الصحفي عبد الحميد عبد العاطي.
المفارقة الصادمة أن هذه المنصات التي تصرخ صباح مساء بشعارات “المقاومة والصمود”، تلتزم صمتاً مريباً أمام الوقائع الميدانية الثقيلة. فلا حديث جاد عن التمدد الإسرائيلي، ولا نقاش حقيقي حول أسباب الانهيار الأمني والسياسي، ولا مساءلة للقرارات التي أوصلت غزة إلى هذا المستوى من الكارثة الإنسانية والعسكرية. بل على العكس، يتم توجيه البوصلة نحو تخوين كل من يجرؤ على السؤال أو النقد أو كشف حجم الفشل القائم.
تقارير إعلامية متعددة تحدثت خلال الأسابيع الأخيرة عن توسيع إسرائيل لما يعرف بـ”الخط الأصفر” وفرض وقائع ميدانية جديدة شرق القطاع، في ظل حديث إسرائيلي رسمي عن السيطرة على أكثر من نصف مساحة غزة، مع خطط للتوسع أكثر. ومع ذلك، لا تجد هذه التطورات الخطيرة المساحة ذاتها التي تخصصها حسابات الذباب الإلكتروني للهجوم على صحفي أو ناشط أو مواطن يعبّر عن غضبه من الواقع المرير.
الهجوم على عبد الحميد عبد العاطي ليس حادثة فردية، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات أي صوت مستقل. فكل من ينتقد ممارسات حماس يتحول فوراً – في خطاب هذه اللجان – إلى “خائن” أو “عميل” أو “مشكوك بولائه الوطني”، في محاولة بائسة لإرهاب المجتمع الفلسطيني ومنع الناس من التعبير عن غضبهم من الفشل المتراكم.
لكن الحقيقة التي تحاول هذه الحملات إخفاءها أكبر من أن تُطمس بمنشورات إلكترونية أو وسوم تحريضية. غزة اليوم تعيش واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية؛ دمار واسع، نزوح متكرر، انهيار اقتصادي وإنساني، ومساحات تتآكل يوماً بعد يوم تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. ومع ذلك، ما زالت بعض العقول الحزبية تتصرف بعقلية “إدارة الرواية” بدلاً من مواجهة الحقيقة.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الحملات الداخلية يخدم الاحتلال بشكل مباشر، لأنه يبدد طاقة المجتمع الفلسطيني في معارك جانبية، ويحول النقاش من مساءلة الاحتلال عن جرائمه إلى مطاردة الصحفيين والنشطاء والمعارضين. وهنا تصبح الدعاية الحزبية أخطر من مجرد خلاف سياسي، لأنها تتحول إلى أداة لتغييب الوعي الجماعي والتغطية على حجم المأزق الحقيقي.
إن الصحافة الحرة ليست جريمة، وانتقاد الأداء السياسي ليس خيانة، ورفض استغلال معاناة الناس لأهداف حزبية ليس خروجاً عن الصف الوطني. بل إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الفلسطينية اليوم هو تحويل الوطنية إلى أداة احتكار، واستخدام التخوين كسلاح ضد كل من يرفض الصمت.
عبد الحميد عبد العاطي ليس القضية بحد ذاته، بل القضية هي حق الفلسطيني في أن يسأل: ماذا جرى لغزة؟ ولماذا تتوسع إسرائيل ميدانياً بينما ينشغل البعض بملاحقة الأصوات المعارضة؟ ولماذا أصبح كشف الأخطاء أخطر عند بعض الجهات من خسارة الأرض نفسها؟
سيبقى الصوت الحر مزعجاً لكل من اعتاد على إدارة الأزمات بالشعارات، لكن الحقيقة لا يمكن دفنها تحت جيوش الحسابات الوهمية، لأن الواقع في غزة اليوم يتحدث بصوت أعلى من أي حملة تحريض أو تخوين.