شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 29 مايو 2026

شبكة التخوين الجاهزة.. عندما يصبح كل معارض “من أفيخاي”

شبكة التخوين الجاهزة.. عندما يصبح كل معارض “من أفيخاي”

في كل مرة يخرج فيها صوت معارض أو ناقد لممارسات حركة حماس في غزة، تبدأ ماكينة التخوين بالعمل فورًا. لا نقاش، لا رد منطقي، لا محاولة لفهم جوهر الانتقاد أو أسبابه، بل تهمة جاهزة ومعلبة يتم توزيعها عبر مواقع مشبوهة وحسابات الذباب الإلكتروني: “هذا يتبع لشبكة أفيخاي”، “هذا عميل”، “هذا يخدم الاحتلال”.

تحولت هذه التهمة إلى سلاح رخيص يُستخدم لإرهاب الناس وإسكات كل من يجرؤ على الكلام، حتى أصبح المواطن الفلسطيني في غزة يخشى التعبير عن رأيه أكثر مما يخشى القصف والحرب والجوع.

المشكلة الحقيقية أن هذه الحملات لا تستهدف العملاء الحقيقيين أو الاختراقات الأمنية الفعلية، بل تستهدف الصحفي، والناشط، والأكاديمي، والمواطن البسيط الذي يقول كلمة “لماذا؟”. لماذا الفوضى؟ لماذا القمع؟ لماذا الفشل؟ لماذا تُدار حياة الناس بعقلية التخوين والتخويف؟

كل من يطالب بالمحاسبة يصبح فجأة “تابعًا لأفيخاي”، وكأن الوطنية أصبحت حكرًا على فصيل واحد، وكأن الدفاع عن غزة يعني الصمت عن الأخطاء والكوارث والانتهاكات.

هذه العقلية لا تحمي القضية الفلسطينية، بل تدمرها من الداخل. فالقضية العادلة لا تخاف من النقد، والمقاومة الحقيقية لا ترتعب من رأي مواطن جائع أو صحفي غاضب أو شاب فقد بيته وأهله ويريد أن يفهم إلى أين تسير الأمور.

المفارقة الصادمة أن بعض هذه الصفحات والحسابات تمارس التحريض والتشهير والتخوين بنفس الأساليب التي تستخدمها جيوش الدعاية الإلكترونية في العالم. دراسات عديدة تناولت خطر الذباب الإلكتروني والحملات المنسقة في توجيه الرأي العام ونشر الكراهية والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إن تحويل المجتمع إلى ساحة تخوين مفتوحة يخدم الاحتلال أكثر مما يضره، لأن الاحتلال لا يحتاج إلى اختراق مجتمع يلتهم أبناءه بنفسه ويقمع أي صوت مختلف فيه.

أما أفيخاي وغيره من أدوات الإعلام الإسرائيلي، فهم أصلًا يستفيدون من حالة الانقسام والفوضى الداخلية، ومن خطاب التخوين الذي يمزق المجتمع الفلسطيني ويحوّل الخلاف السياسي إلى معركة تصفيات واتهامات.

غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الذباب الإلكتروني، ولا إلى جيوش الشتائم، ولا إلى محاكم تفتيش إلكترونية تبحث في نوايا الناس. غزة تحتاج إلى الحقيقة، وإلى مساحة حرة يستطيع فيها المواطن أن ينتقد دون أن يُتهم بالخيانة، وأن يصرخ دون أن يُطارد، وأن يدافع عن كرامته دون أن يُوضع في خانة “العملاء”.

التخوين السهل ليس بطولة، بل هروب من مواجهة الحقيقة. ومن يحاول إسكات كل الأصوات المختلفة بالتشهير والاتهامات الجاهزة، إنما يكشف خوفه من النقد أكثر مما يكشف حرصه على القضية.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.