منذ سنوات طويلة، لم تعد حركة حماس مجرد فصيل سياسي أو مقاوم كما تحاول أن تقدم نفسها، بل تحولت تدريجيًا إلى سلطة أمر واقع، تُدار بعقلية احتكارية، وتتصرف بمنطق الحاكم الذي يرى في غزة ملكًا خاصًا، وفي أهلها مجرد أدوات ضمن معادلة البقاء في الحكم.
المشكلة لم تعد في الشعارات التي ترفعها الحركة، بل في الفجوة الهائلة بين خطابها وممارساتها على الأرض. فبينما تتحدث عن “المقاومة” و”الكرامة الوطنية”، يعيش المواطن في غزة واقعًا من القهر اليومي، والفقر، وانعدام الأفق، في ظل سياسات اقتصادية خانقة وضرائب لا ترحم، تُفرض على شعب أنهكته الحروب والحصار.
لقد أصبح واضحًا أن هاجس البقاء في السلطة هو المحرك الأساسي لقرارات الحركة، حتى وإن جاء ذلك على حساب حياة الناس واستقرارهم. فكلما اشتدت الأزمات، بدلاً من البحث عن حلول تخفف عن المواطنين، يتم توظيف هذه المعاناة سياسيًا، إما لتثبيت السيطرة الداخلية أو لكسب تعاطف خارجي يُترجم لاحقًا إلى دعم مالي لا يصل في معظمه إلى مستحقيه.
ولا يمكن تجاهل ملف الأموال، الذي يثير تساؤلات كبيرة لدى الشارع الفلسطيني. فبينما يعيش غالبية سكان غزة تحت خط الفقر، تتضخم شبكات المصالح المرتبطة بالحركة، وتُدار موارد القطاع بطريقة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة. هذا التناقض الصارخ بين حياة الناس ومعيشة بعض القيادات يعكس خللًا بنيويًا في منظومة الحكم، حيث تتحول السلطة من وسيلة لخدمة الشعب إلى غاية بحد ذاتها.
الأخطر من ذلك هو إقصاء أي صوت معارض أو ناقد. فالحياة السياسية في غزة تكاد تكون مجمدة، والانتخابات غائبة منذ سنوات، والحريات مقيدة، ما يعكس خوفًا عميقًا من فقدان السيطرة. وهذا السلوك لا يختلف كثيرًا عن الأنظمة التي طالما انتقدتها الحركة، بل ربما يفوقها في بعض الجوانب، نظرًا لارتباطه بخطاب ديني يمنح هذه الممارسات غطاءً “شرعيًا” في نظر أنصارها.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط الواقع الداخلي في غزة، بل يضرب أيضًا فكرة المشروع الوطني الفلسطيني ككل. فحين تتحول الفصائل إلى كيانات مغلقة تسعى وراء النفوذ والمال، يصبح الحديث عن وحدة وطنية أو مشروع تحرري جامع مجرد وهم.
في النهاية، لا يمكن لأي حركة أن تدّعي تمثيل الشعب وهي تُثقل كاهله، ولا يمكن لأي سلطة أن تستمر طويلًا إذا قامت على معادلة القمع واستغلال المعاناة. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب، مهما صبرت، لا تنسى من تاجر بأوجاعها وجعل من مأساتها سلّمًا للصعود إلى السلطة.