شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 16 أبريل 2026

حين تُنتهك القبور: سقوط أخلاقي مدوٍ في زمن الحرب

حين تُنتهك القبور: سقوط أخلاقي مدوٍ في زمن الحرب

في مشهد يصعب استيعابه حتى في أكثر لحظات الحروب قسوةً، تتكشف تفاصيل صادمة من داخل قطاع غزة، لا تعكس فقط حجم الانهيار الأمني، بل تكشف ما هو أخطر: انهيار المنظومة الأخلاقية ذاتها. ما جرى لم يعد مجرد جريمة سرقة أو تعدٍ على المال العام، بل تحول إلى اعتداء صارخ على حرمة الموت، وعلى قدسية القبور، وعلى كل ما يفترض أنه “خط أحمر” في ضمير أي مجتمع.

القصة، كما تتداولها الوقائع، تتجاوز حدود الصدمة التقليدية. أحد المتورطين في سرقة أموال من بنك فلسطين خلال أجواء الفوضى التي رافقت الحرب، لم يجد مكانًا “آمنًا” لإخفاء المال سوى قبر شقيقه الشهيد. نعم، تحت التراب، أسفل جسد أخيه، حيث يفترض أن تسكن الطمأنينة والاحترام، تم دفن الأموال المسروقة، في مشهد يلخص إلى أي مدى يمكن أن يصل الانحدار حين تغيب الدولة ويُختطف الضمير.

هذا الفعل لا يمكن وصفه بأنه مجرد “تصرف فردي منحرف”، بل هو انعكاس لحالة عامة من الفوضى والانفلات، حيث تختلط الدماء بالأموال، وتضيع الحدود بين المقدس والمدنس. حين يصبح القبر مخبأً للمال الحرام، فهذه ليست جريمة عادية، بل إعلان صريح عن سقوط القيم.

الأخطر من ذلك، أن هذه الواقعة تأتي ضمن سياق أكبر من الاتهامات والوقائع التي تشير إلى فقدان مبالغ ضخمة من بنك فلسطين، تقدر بـ 123 مليون دولار، عدا عن أمانات المواطنين التي يقال إنها بالمليارات. أرقام بهذا الحجم لا يمكن التعامل معها كحادثة عابرة، بل تطرح تساؤلات جدية حول مصير أموال الناس، وحول الجهات التي تتحكم بها، وحول حجم التعتيم الذي يحيط بالملف.

في ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن “سرقة بنك” تبسيطًا مخلًا للمشهد. نحن أمام منظومة كاملة من الغموض، تتداخل فيها السلطة مع السلاح، والمال مع النفوذ، والدم مع السياسة. ما جرى في فرع الرمال، وما تردد عن نقل الأموال إلى مستشفى المعمداني قبل استشهاد إيهاب الغصين، يضيف طبقات جديدة من التعقيد، ويطرح علامات استفهام لا يمكن تجاهلها.

لكن، بعيدًا عن تفاصيل الأسماء والأرقام، تبقى الحقيقة الأشد قسوة هي أن المجتمع نفسه يدفع الثمن. المواطن البسيط، الذي أودع مدخراته في البنك، يجد نفسه اليوم أمام مصير مجهول. لا ضمانات، لا شفافية، ولا إجابات واضحة. وفي المقابل، تتسرب القصص عن سرقات، ودفن أموال، واستغلال للحرب كغطاء للفوضى.

الحرب، بطبيعتها، تكشف معادن البشر. هناك من يثبت في أصعب الظروف، وهناك من يسقط. لكن ما نشهده هنا ليس مجرد سقوط فردي، بل انهيار جماعي في منظومة القيم. حين تُنتهك القبور، وتُستباح حرمة الشهداء، ويُستخدم الموت كوسيلة لإخفاء المال، فنحن أمام كارثة أخلاقية مكتملة الأركان.

لا يمكن لأي مجتمع أن يتعافى من جراح الحرب إذا كان داخله ينخر بهذه الصورة. إعادة الإعمار لا تعني فقط بناء البيوت، بل إعادة بناء الثقة، وإحياء القيم، واستعادة معنى الكرامة الإنسانية. أما إذا استمرت هذه الممارسات، فإن الخطر الحقيقي لن يكون فقط في الدمار الخارجي، بل في التآكل الداخلي الذي قد يكون أشد فتكًا.

ما حدث ليس حادثة عابرة، بل جرس إنذار. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل ما زال هناك خط أحمر لم يتم تجاوزه؟ أم أن كل شيء أصبح مباحًا في زمن الفوضى؟

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.