سياق المنشور: “كلمة حق” في توقيت ملغم
كتب حازم قاسم عبر حساباته: “ليس أحط من ذلك الذي يستخدم الدين بالباطل للتكسب.. جريمته مركبة”. من الناحية النظرية، تبدو العبارة قاعدة أخلاقية لا يختلف عليها اثنان؛ فتوظيف المقدس في مآرب دنيوية ضيقة هو فعل مستهجن في كل الثقافات.
لكن في السياسة، “السياق” هو الملك. جاء المنشور في وقت يعاني فيه سكان قطاع غزة من أزمات معيشية خانقة، وضرائب متزايدة، وفجوة طبقية بدأت تظهر ملامحها بوضوح بين النخبة الحاكمة وعامة الشعب، مما جعل الجمهور يقرأ الكلمات لا كوعظ أخلاقي، بل كـ “إسقاط” أو “انفصال عن الواقع”.
2. موجة السخرية: “هل تتحدث عن المرآة؟”*
كانت السخرية هي السلاح الأبرز في مواجهة المنشور. تركزت تعليقات النشطاء والمواطنين حول فكرة التناقض الذاتي، حيث اعتبر الكثيرون أن حركة حماس نفسها قامت في الأساس على خطاب ديني، واستخدمته كأداة شرعية للوصول إلى السلطة والبقاء فيها.
الاستهداف المباشر: تساءل المعلقون بتهكم: “هل تقصد زملاءك في الوزارات؟” أو “هل تتحدث عن الجباية التي تُغطى بصبغة شرعية؟”.
*ثنائية “نحن وهم”: انتقد البعض ما وصفوه بـ “توزيع صكوك الغفران”، حيث يضع الناطق باسم الحركة نفسه في مقام الواعظ الذي يحدد من هو “المحق” ومن هو “المبطل” في استخدام الدين.
3. الغضب الشعبي:
الجريمة “المركبة” في عيون الناس
خلف الضحكات الساخرة، كمنت حالة من الغضب الحقيقي. بالنسبة للمواطن الغزي الذي يواجه الفقر والبطالة، بدا المنشور مستفزاً لعدة أسباب:
تسييس الدين:
يرى منتقدو الحركة أن “التكسب بالدين” تهمة تلازم الحركات الإسلامية السياسية عند ممارستها للسلطة، وبالتالي فإن صدور هذا التصريح من ناطق رسمي اعتُبر نوعاً من “الاستغفال” للوعي الجمعي.
الواقع المعيشي:
قارن المعلقون بين حياة الرفاهية التي تعيشها بعض القيادات وبين دعوات الصبر والزهد التي تُوجه للناس عبر المنابر، معتبرين أن هذا هو “التكسب الحقيقي” بالدين.
الإسقاط السياسي: اعتبر البعض أن المنشور قد يكون موجهاً لخصوم سياسيين (مثل السلطة الفلسطينية أو تيارات أخرى)، لكنه ارتد عليهم لأن “بيوتهم من زجاج”، حسب وصف أحد المعلقين.
4. تحليل الأزمة: فجوة الثقة بين الحاكم والمحكوم
تُظهر ردود الفعل هذه أن هناك أزمة ثقة عميقة.
لم يعد الجمهور يتقبل الخطاب الوعظي من الجهات الحاكمة، خاصة عندما تلمس هذه المواعظ جراحاً نازفة.
ملاحظة تحليلية: عندما تغيب الحلول السياسية والاقتصادية، تصبح الشعارات الدينية عبئاً على السياسي بدلاً من أن تكون درعاً له. الجماهير لم تعد تأخذ الكلمات بمعانيها المجردة، بل تضعها في ميزان “الأداء على الأرض”.
5. دروس من منصات التواصل
الحادثة أثبتت مجدداً أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت “ساحة المحاسبة البديلة” في ظل غياب البرلمانات أو الانتخابات.
سرعة الاستجابة: تحول المنشور إلى “تريند” سلبي في ساعات قليلة.
كسر حاجز الخوف: تنوعت التعليقات بين أسماء حقيقية ومستعارة، مما يعكس رغبة شعبية في مواجهة الخطاب الرسمي بجرأة غير مسبوقة.
الخلاصة
ربما أراد حازم قاسم من منشوره توجيه رسالة أخلاقية أو سياسية معينة، لكنه اصطدم بـ “جدار الواقع”. إن اتهام الآخرين بـ “التكسب بالدين” من قلب منظومة تُتّهم بالشيء نفسه، وضع الناطق الرسمي في موقف الدفاع لا الهجوم.
في النهاية، يبدو أن الجمهور في غزة بعث برسالة واضحة:
“قبل أن تعظونا في الدين، أرونا أثره في العدل والعيش الكريم”