شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 24 أبريل 2026

حين يصبح الدم “ترند”… ويسقط الإنسان من الشاشة

حين يصبح الدم “ترند”… ويسقط الإنسان من الشاشة

في غزّة، لم تكن الكاميرا يومًا بريئة. لم تكن مجرد ناقلٍ للحقيقة كما تدّعي، بل كانت—في كثير من الأحيان—أداة انتقائية، تُسلّط الضوء حين يخدم الضوء رواية بعينها، وتُطفئه حين يصبح الإبصار عبئًا على تلك الرواية.

كانت الشاشات تمتلئ بصور الموت، وتُرفق الأرقام بتوصيف جاهز: “مقاومة”. لم يكن هناك وقت للتدقيق، ولا مساحة للسؤال، ولا حتى محاولة للفصل بين الضحية والرمز. كل شيء يُسكب في قالب واحد، يُعاد تدويره إعلاميًا حتى يفقد معناه الإنساني ويتحوّل إلى مادة استهلاكية تُستدعى عند الحاجة وتُنسى عند انتهاء “الترند”.

لكن ماذا حدث اليوم؟ أين ذهبت تلك العدّادات التي كانت لا تتوقف؟ أين اختفت اللغة المتحمّسة التي كانت ترفع الشعارات فوق ركام البيوت؟ فجأة، خفت الصوت. فجأة، صار الصمت هو العنوان. وكأن الألم فقد صلاحيته الإعلامية، وكأن الدم لم يعد صالحًا للبث.

الحقيقة المزعجة هي أن بعض المنصات الإعلامية لا تقيس المأساة بعمقها، بل بمدى قابليتها للتسويق. عندما تكون القضية “رائجة”، تُفتح لها النوافذ، وتُحشد لها الكلمات، وتُضخّم صورها حتى تكاد تختنق من فرط الاستهلاك. أما حين تهدأ الموجة، أو تتبدّل الأولويات السياسية، فإن نفس القضية تُركن جانبًا، كأنها لم تكن.

هذه ليست مجرد ازدواجية في المعايير، بل انحدار أخلاقي خطير. لأن الإعلام، في جوهره، ليس منصة دعاية ولا ساحة لتصفية الحسابات، بل هو مسؤولية—مسؤولية نقل الحقيقة كاملة، لا مجتزأة؛ إنسانية، لا انتقائية.

حين يتم اختزال الضحايا في توصيفات سياسية، يُسلب منهم حقهم الأساسي: أن يُنظر إليهم كبشر. وحين يُربط الاهتمام بمعاناتهم بمؤشر المشاهدات، فإننا لا نخون الحقيقة فقط، بل نخون معنى الإنسانية ذاته.

غزّة لا تحتاج إلى عدّاد موتى يُرفع ويُخفض بحسب المزاج الإعلامي. ولا تحتاج إلى شعارات تُستهلك ثم تُرمى. هي تحتاج إلى عدالة في التغطية، إلى صدق في السرد، إلى إعلام يرى الإنسان قبل أن يرى العنوان.

المأساة ليست موسمًا. والدم لا يُغسل بهاشتاغ. ومن يظن أن بإمكانه إدارة الألم كما تُدار الحملات الرقمية، عليه أن يدرك أنه ربما ربح تفاعلًا لحظيًا، لكنه خسر شيئًا أكبر بكثير: مصداقيته، وإنسانيته، وحقه في أن يُصدّق عندما يتحدث عن الحقيقة.

في النهاية، السؤال ليس ماذا تبث الشاشات، بل ماذا تختار أن تتجاهله. وهناك، في هذا التجاهل تحديدًا، تُكتب أكثر فصول القصة قسوة.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.