في مكانٍ كان يُفترض أن يكون ملاذًا أخيرًا من أهوال الحرب، حيث لا جدران تحمي ولا أبواب تُغلق، بل خيامٌ مهترئة تقي من برد الليل وحرّ النهار، وقعت جريمة جديدة تضاف إلى سجل الألم الفلسطيني. جريمة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل بعمق الانتهاك الإنساني الذي تمارسه قوى يفترض أنها من أبناء الشعب نفسه.
في فجر يوم 20 نيسان، وفي الساعة التي تسبق شروق الشمس، حين يكون العالم ساكنًا، والأطفال غارقين في نومهم، والقلوب تحاول التقاط لحظة هدوء وسط الفوضى، اقتحمت مجموعة مسلحة خيمة عائلة نازحة، وحولت هذا السكون إلى مشهد من الرعب الخالص.
تروي السيدة هيلين هشام عاشور تفاصيل ما حدث، لا كخبر عابر، بل كجراح مفتوحة لا تزال تنزف. تقول إن المسلحين اقتحموا الخيمة دون سابق إنذار، دون احترام لحرمة المكان أو خصوصية العائلة، وكأنهم يدخلون ساحة حرب، لا مأوى لمدنيين فقدوا كل شيء.
لم يكن الهدف تفتيشًا عابرًا، بل عملية اعتقال قسرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تم سحب زوجها محمد زهدي عاشور من بين أطفاله، في مشهد تختلط فيه القوة بالعجز، والخوف بالذهول. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتدت الأيدي لتوقظ الأطفال من نومهم، وتجرّهم إلى خارج الخيمة، حيث الخوف أكبر من قدرتهم على الفهم.
ما حدث لم يكن مجرد اعتقال، بل كان اعتداءً مباشرًا على براءة الطفولة. أطفال لم يدركوا بعد معنى السياسة ولا الانتماءات، وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة رجال مسلحين، في لحظة تزرع الخوف في أعماقهم لسنوات طويلة قادمة.
صرخاتهم، كما تصف الأم، لم تكن مجرد رد فعل مؤقت، بل صرخة إنسانية ضد مشهد غير طبيعي، ضد اقتحام عالمهم الصغير بكل هذا العنف. وبعد ساعات من الاحتجاز، تم إطلاق سراح الأطفال، في خطوة تبدو وكأنها رسالة ترهيب أكثر منها إجراءً عابرًا.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يزال الزوج مختفيًا، دون أي معلومات واضحة عن مكان احتجازه أو وضعه الصحي أو القانوني. رجل عُرف بانتمائه المهني وعمله ضمن مؤسسات السلطة الفلسطينية، يجد نفسه اليوم ضحية صراع داخلي لا يعترف بالقانون ولا بالحقوق الأساسية للإنسان.
غياب أي إجراءات قانونية، أو توضيحات رسمية، يعكس حالة خطيرة من الفوضى، حيث تصبح حياة الأفراد وكرامتهم رهينة لقرارات جماعات مسلحة، خارج أي إطار قانوني أو إنساني.
تشير المعطيات إلى أن الاعتقال لم يكن عشوائيًا، بل مرتبط بانتماء الزوج لحركة “فتح”، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول طبيعة الصراع الداخلي، وتحوله من خلاف سياسي إلى ممارسات انتقامية تستهدف الأفراد وعائلاتهم.
هذا النوع من الاستهداف لا يهدد فقط الأفراد، بل يضرب النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ويعمّق الانقسام، ويقوّض أي أمل في وحدة وطنية حقيقية.
في خضم هذا المشهد، ترفع السيدة هيلين صوتها بنداء يتجاوز حدود السياسة والانتماء، نداء إنساني بحت:
إن الصمت على مثل هذه الانتهاكات لا يعني الحياد، بل يُفسَّر كقبول ضمني بها. والتجاهل الدولي أو المحلي لمثل هذه القضايا يفتح الباب لمزيد من التجاوزات، ويكرّس واقعًا خطيرًا تصبح فيه القوة بديلاً عن القانون.
الخيمة التي كانت رمزًا للنجاة، تحولت إلى شاهد على جريمة. قطعة قماش بسيطة أصبحت تحمل ذاكرة اقتحام، وصراخ، وخوف، وفقدان.
أما الأطفال، الذين عادوا بعد ساعات، فقد عادوا بأسئلة أكبر من أعمارهم: “أين أبي؟” سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يحمل وجعًا لا يمكن الإجابة عليه بسهولة.
ورغم كل ما حدث، تؤكد العائلة أنها لن تتوقف عن المطالبة بالحقيقة. فحرية الإنسان ليست منحة، بل حق أصيل، لا يجوز مصادرته تحت أي ظرف.
القضية اليوم ليست فقط قضية عائلة، بل نموذج يتكرر في أماكن مختلفة، بصور متعددة، في ظل غياب المساءلة وضعف الحماية القانونية للمدنيين.
ما حدث داخل تلك الخيمة ليس حادثة معزولة، بل مؤشر خطير على واقع يتدهور فيه احترام الإنسان وحقوقه. وبينما تستمر المعاناة، يبقى الأمل معلقًا على صحوة ضمير، وعلى تحرك حقيقي يعيد للإنسان الفلسطيني كرامته، ويضع حدًا لانتهاكات لا يمكن تبريرها تحت أي شعار.