في المجتمعات التي ما زالت تحفظ شيئًا من كرامتها، تبقى البيوت خطوطًا حمراء لا تُمس، وتبقى حرمة المنازل من آخر ما تبقّى من قداسةٍ في زمن الانهيار. أما حين تتحول البيوت إلى أهدافٍ للاقتحام، وتصبح العائلات الآمنة عرضةً للترهيب المنظم، فذلك لا يمكن وصفه باعتباره “حادثًا عابرًا”، ولا “إجراءً ميدانيًا”، ولا حتى “تجاوزًا فرديًا” كما يحاول البعض تسويقه وتخفيف وقعه. ما جرى بحق آل الوحيدي ليس حادثًا عاديًا، بل جريمة مكتملة الأركان، واعتداء فجّ على الكرامة الاجتماعية والوطنية، وانحدار خطير نحو منطق العصابة التي لم تعد ترى في المجتمع إلا ساحة إخضاع، ولا في الناس إلا أهدافًا قابلة للكسر والإذلال.
إن اقتحام بيت من بيوت عشيرة الوحيدي بهذا الشكل الهمجي لا يمكن قراءته إلا بوصفه عدوانًا سافرًا على النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ومحاولة وقحة لإذلال مكوّن وطني أصيل عُرف بمواقفه، وبحضوره، وبتاريخه النظيف في الانتماء لفلسطين. وحين يكون المستهدف بيتًا من بيوت عائلة قدمت أبناءها شهداء، ودفعت من دمها وأعصابها وأعمار رجالها ثمنًا للقضية الوطنية، فإن الجريمة تتجاوز حدود الفعل الأمني المزعوم، وتدخل في خانة الإساءة المتعمدة لذاكرة وطنية لا يجوز العبث بها.
ما حدث لا يمكن فصله عن سياق طويل من ممارسات الترهيب التي دأبت عليها حركة حماس في غزة، حين قررت أن تستبدل منطق الشراكة الوطنية بمنطق الهيمنة، ومنطق المقاومة بمنطق السيطرة، ومنطق الحماية بمنطق الإخضاع. فحين تقتحم جماعات مسلحة بيتًا مدنيًا، لا لأنها تواجه احتلالًا، بل لأنها تستعرض سطوتها على أهلها، فإنها لا تمارس سلطة، بل تمارس بلطجة. ولا تبني نظامًا، بل تؤسس لمزرعة خوف. ولا تحمي مجتمعًا، بل تفتك بما تبقّى فيه من ثقة وأمان.
الخطير في هذه الحادثة ليس فقط طبيعة الفعل، بل رمزيته أيضًا. لأن استباحة بيت من بيوت آل الوحيدي لا تعني مجرد الاعتداء على أسرة بعينها، بل تمثل رسالة ترهيب أوسع موجهة إلى المجتمع بأسره: لا أحد فوق سطوة القوة، ولا بيت محصن من الاقتحام، ولا كرامة مصانة إذا قررت البنادق أن تتكلم. وهذه الرسالة بحد ذاتها أخطر من الفعل، لأنها تنقل المجتمع من حالة الخوف من الاحتلال إلى حالة الخوف من الداخل، وتحوّل الفلسطيني من مواطن مهدد من العدو إلى مواطن مهدد من سلطة الأمر الواقع.
إن البيان الصادر عن عشيرة آل الوحيدي لم يكن مجرد رد فعل غاضب، بل كان موقفًا سياسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا بالغ الوضوح. بيانٌ أعاد تعريف الحدث كما يجب أن يُفهم: اعتداء على بيت، واعتداء على عشيرة، واعتداء على كرامة جماعية، واعتداء على قيم المجتمع كله. وقد أصابت العشيرة حين وضعت الجريمة في سياقها الحقيقي، بوصفها امتدادًا لسلسلة استهداف ممنهج لا يمكن فصله عن عقلية الاستقواء على الناس، ومحاولة كسر البيئات الوطنية التي لم تُدجَّن، ولم تُشترَ، ولم تُرهبها أدوات القمع.
لقد كان واضحًا في البيان أن عشيرة الوحيدي لا تتحدث من موقع ضعف، ولا من موقع انفعال عابر، بل من موقع من يعرف تاريخه جيدًا، ويعرف من هو، وما الذي مثله ويمثله في الوجدان الوطني. فهي عشيرة لم تكن يومًا طارئة على فلسطين، ولا هامشًا في معادلتها الوطنية، بل كانت دائمًا جزءًا من نسيجها الحي، وقدمت من أبنائها من قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الأرض والقضية. ولذلك فإن محاولة النيل منها عبر الترهيب أو التشويه أو الاقتحام ليست فقط عملًا جبانًا، بل فعلٌ أخرق يعكس جهلًا بطبيعة المجتمع الذي يُراد كسره.
والأهم من ذلك أن البيان حمل رسالة في غاية الخطورة والأهمية معًا، حين وضع شرطًا واضحًا وحاسمًا: إذا ثبت أن هذا الفعل الإجرامي تم بتوجيه رسمي أو غطاء تنظيمي، فإن المسؤولية لا تبقى فردية، بل تصبح مسؤولية الجهة التي وفرت الغطاء، وساعتها لا يعود الأمر مجرد حادث، بل عدوانٌ سياسي واجتماعي مكتمل، له ما بعده وله تبعاته. وهذا الموقف لا يعكس تهورًا، بل يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة اللحظة، وإدراكًا بأن المجتمعات لا تُحكم بالبلطجة، ولا تُدار بالإهانة، ولا تُخضعها البنادق إلى الأبد.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة هو أن تتحول من ادعاء حماية الناس إلى ممارسة ترويعهم، ومن رفع شعارات الكرامة إلى اقتحام البيوت، ومن ادعاء تمثيل المجتمع إلى إذلاله. وعندما تصل أي جهة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تفقد فقط مشروعيتها السياسية، بل تسقط أخلاقيًا وإنسانيًا قبل أي شيء آخر. لأن الذي يعتدي على بيتٍ آمن، لا يمكنه أن يقنع الناس أنه يحميهم. والذي يرهب النساء والأطفال، لا يمكنه أن يرفع شعار الكرامة. والذي يكسر أبواب الناس، لا يمكنه أن يدّعي أنه حارس الوطن.
إن ما جرى مع آل الوحيدي ليس مجرد حادثة تخص عائلة بعينها، بل اختبار أخلاقي للمجتمع كله. فإما أن يُقال بوضوح إن حرمة البيوت فوق سطوة السلاح، وإن كرامة الناس ليست مشاعًا لأحد، وإن من يقتحم البيوت لا يمثل قانونًا ولا وطنًا ولا مقاومة… وإما أن يُترك الباب مفتوحًا أمام شريعة الغاب لتلتهم ما تبقى من مجتمع أنهكته الحرب ودمّرته الفوضى.
ستبقى البيوت عنوان الكرامة. وستبقى العائلات الحرة عصية على الكسر. وسيبقى كل اقتحامٍ جبان وصمة عار في جبين من أمر، ومن نفذ، ومن برر، ومن صمت.
نص البيان الصادر عن عشيرة آل الوحيدي
بيان صادر عن عشيرة آال الوحيدي بخصوص اعتداء حركة حماس عليهم
إن الاعتداء البربري الغاشم الذي استهدف بيت من بيوت أبنائنا وعائلاتنا وأهلينا وهذا الفعل الهمجي لا يمثل مجرد اعتداء فردي، بل هو كسرٌ صارخ لحرمة بيوت العشيرة جمعاء وتجاوزٌ لكل الخطوط الحمراء والأعراف والمبادئ.
إننا في عشيرة الوحيدي، وإذ نضع هذا الاعتداء في سياقه الحقيقي، نرى فيه امتداداً لسلسلة الاستهداف الممنهج الذي تواجهه هذه العشيرة الصامدة على يد الاحتلال؛ فالعشيرة التي قدمت خيرة أبنائها شهداء فداءً للتراب الوطني ولقضيته المقدسة، لا يمكن لمثل هذه الأفعال الرخيصة الدنيئة أن تنال من عزيمتها أو تسلبها هويتها الوطنية المتجذرة.
وما يمكن تأكيده هو:
أولاً: إن كرامة بيوتنا من كرامة وطننا، ولن نسمح لأي يدٍ عابثة أن تنال من أمن واستقرار أبنائنا تحت أي ذريعة أو أن يتم استغلال الحدث لمناكفات سياسية.
ثانياً: لقد أثبت تاريخنا المشرف أننا كنا دوماً صمام أمانٍ للوطن، لم تلطخ أيدينا يوماً بالعبث بأمنه، ولن تزيدنا هذه الاستهدافات إلا تمسكاً بوطنيتنا وشرف انتمائنا.
ثالثاً: ستبقى عشيرة الوحيدي، كما كانت عهداً، من أشرف الناس وأطهرهم قلوباً وأكرمهم يداً، عصيةً على الانكسار أمام كل من تسول له نفسه التطاول على مكانتها.
رابعاً: في حال تبين أن هذا الفعل الإجرامي موجه من أي جهة كانت عليهم وبشكل رسمي إخلاء مسؤوليتهم من هذا الحدث ورفع الغطاء التنظيمي عن فاعليه وبعد ذلك لكل حادث حديث.
“وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”
عاشت عشيرة الوحيدي حرةً أبية
والخزي والعار لكل من اعتدى وتطاول