في كل مرة تخرج فيها حركة حماس لتتحدث عن “السيطرة” و”فرض الأمن” في قطاع غزة، تكشف الوقائع على الأرض أن ما تمارسه ليس أمنًا ولا نظامًا، بل نموذجًا فجًا من الترهيب المنظم، قائمًا على القمع، وكسر إرادة الناس، وإخضاع المجتمع بالقوة الغاشمة. فبعد الهدنة الثانية، لم تتجه الحركة إلى لملمة جراح الناس، ولا إلى حماية ما تبقى من كرامة المواطن الغزي، بل اتجهت إلى تشكيل فرق ترهيب ميدانية في كل محافظة، تتكون من عناصر ملثمة، تجوب الشوارع والأحياء، تمارس أبشع صور البلطجة المنظمة تحت غطاء “الضبط الميداني”.
هذه الفرق، وفق شهادات متقاطعة ومصادر ميدانية متعددة، لا تشبه أي جهاز أمني محترف، ولا تمت بصلة لفكرة القانون أو النظام العام. ما يجري هو تأسيس ممنهج لميليشيات قمع محلية، مهمتها الأولى ليست حماية المجتمع، بل إخضاعه، وكسر ما تبقى من صوته، وترهيب كل من يفكر بالاعتراض أو النقد أو حتى السؤال.
الملثمون الذين انتشروا في المحافظات لا يحملون سلوك رجال أمن، بل سلوك عصابات. الشتائم، الإهانات، الضرب، التكسير، اقتحام البيوت، ترويع النساء والأطفال، والاعتداء على الممتلكات باتت أدوات يومية تمارسها هذه المجموعات دون أي رادع قانوني أو أخلاقي. يدخلون البيوت بالقوة، يفتشون، يكسرون، يصرخون، يعتدون، وكأن غزة تحولت إلى ساحة مفتوحة لحكم الميليشيا، لا مجتمعًا مدنيًا له حرمة، ولا شعبًا له كرامة.
الأخطر من كل ذلك أن المعلومات الواردة من داخل القطاع تشير إلى أن بعض العناصر التي جرى تجنيدها ضمن هذه الفرق ليست فقط من أصحاب السوابق، بل من ذوي السجل الإجرامي المعروف، وبينهم متورطون في قضايا مخدرات وسرقات واعتداءات، أُخرج بعضهم من السجون، لا ليخضعوا للمحاسبة أو إعادة التأهيل، بل ليُعاد تدويرهم في خدمة مشروع القمع. وهنا لا نتحدث عن تجاوز فردي أو خطأ تنظيمي، بل عن قرار سياسي وأمني خطير: استبدال القانون بالبلطجة، واستبدال المؤسسة بالعصابة، واستبدال العدالة بالترهيب.
حين تستعين سلطة بعناصر من هذا النوع، فإنها لا تعلن فقط إفلاسها الأمني، بل سقوطها الأخلاقي الكامل. لأن أي سلطة تحترم نفسها تبني أمنها على القانون، وعلى مؤسسات مهنية منضبطة، لا على مجرمين سابقين وبلطجية ملثمين يُمنحون غطاءً سياسيًا ليبطشوا بالناس. أما حين يصبح صاحب السابقة أداة “ضبط”، وتاجر السموم ذراعًا “ميدانيًا”، فهذه ليست إدارة مجتمع، بل إدارة رعب.
ما يحدث اليوم في غزة لا يمكن تسويقه بوصفه “إجراءات ميدانية” أو “ضبط انفلات”. هذه اللغة باتت مكشوفة ومفضوحة. الحقيقة أن حماس، بعد أن فشلت في إدارة الحرب، وفشلت في حماية الناس، وفشلت في إدارة الكارثة، تحاول الآن إدارة ما تبقى من القطاع بالخوف. وحين تفشل السلطة في الإقناع، تلجأ إلى العصا. وحين تسقط سياسيًا، تستدعي البلطجي. وحين تفقد شرعيتها، تستبدلها بالقناع الأسود.
غزة اليوم لا تعاني فقط من الحرب والدمار والجوع، بل من سلطة قررت أن تحكم مجتمعًا منكوبًا بالعنف والإذلال. المواطن الذي نجا من القصف، لا يجب أن يُهان على يد ملثم. والبيت الذي صمد أمام الحرب، لا يجوز أن يُكسر بيد عصابة تدّعي أنها “تحمي الجبهة الداخلية”. والناس الذين فقدوا أبناءهم ومنازلهم، لا يجوز أن يُكافأوا بمزيد من القمع والإذلال.
إن أخطر ما تفعله هذه السياسة ليس فقط الاعتداء على الأفراد، بل تدمير ما تبقى من النسيج الاجتماعي في غزة. حين يرى الناس أن من كان في السجن بالأمس صار اليوم صاحب سلطة وسلاح، فإن الرسالة الموجهة للمجتمع كارثية: لا قيمة للقانون، لا مكان للعدالة، لا احترام للمؤسسات، ومن يملك القوة يملك الحق. وهذه هي الوصفة المثالية لتحويل المجتمع إلى غابة، وتحويل السلطة إلى عصابة.
حماس، وهي تزعم أنها “تحمي غزة”، تفعل اليوم العكس تمامًا. إنها تعيد إنتاج منطق العصابة داخل مجتمع محطم، وتؤسس لمرحلة أشد خطورة من الفوضى، عنوانها: حكم الملثم، وسلطة البلطجي، وشرعنة الرعب. وما يجري ليس مجرد انحراف أمني عابر، بل انكشاف كامل لبنية حكم لم تعد تعرف كيف تُدار المجتمعات إلا بالقوة، ولا كيف يُحكم الناس إلا بالخوف.
إن غزة التي صبرت على الحرب، لا تستحق أن تُسحق تحت أحذية الملثمين. وغزة التي دفعت أثمانًا باهظة من دم أبنائها، لا تستحق أن تُسلَّم لعصابات الشارع بثوب أمني. وما يجري اليوم يجب أن يُسمّى باسمه الحقيقي: ليس حفظًا للأمن، بل تنظيمًا للفوضى. ليس فرضًا للنظام، بل هندسة للرعب. وليس حمايةً للمجتمع، بل اعتداءً ممنهجًا عليه.
وحين تتحول السلطة إلى مظلة للبلطجة، يصبح الصمت شراكة، ويصبح كشف الحقيقة واجبًا.