شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 2 مايو 2026

حماس وصراع الخلافة: معركة القيادة الجديدة بين اختطاف القرار وعودة ملفات الفساد

حماس وصراع الخلافة: معركة القيادة الجديدة بين اختطاف القرار وعودة ملفات الفساد

في الوقت الذي تحاول فيه حركة حماس الظهور أمام جمهورها كتنظيم متماسك يملك زمام قراره السياسي والعسكري، تتصاعد من داخل أروقتها أزمة صامتة لكنها عميقة، عنوانها الحقيقي: صراع على القيادة، واشتباك على النفوذ، ومعركة على من يملك قرار الحركة.
فخلف الأبواب المغلقة، وبعيدًا عن الشعارات التي ترفعها الحركة عن “الشورى” و”المؤسسات”، تدور معركة شرسة بين أجنحة متصارعة داخل حماس، في مشهد يكشف أن ما يجري ليس تداولًا تنظيميًا طبيعيًا، بل صراع نفوذ مكتمل الأركان، تتداخل فيه الحسابات الشخصية، والولاءات الخارجية، وملفات الفساد المؤجلة.

المعركة الدائرة اليوم داخل حماس لا تتعلق فقط بمن سيجلس على كرسي القيادة، بل بمن سيسيطر على القرار السياسي والأمني والمالي للحركة في المرحلة المقبلة، ومن سيعيد رسم توازنات النفوذ بين الداخل والخارج، وبين الجناح السياسي والعسكري، وبين من يملكون المال ومن يملكون السلاح.

صراع أجنحة لا انتخابات

رغم الخطاب المعلن عن “انتخابات داخلية” و”آليات شورى”، فإن ما يجري داخل حماس لا يشبه أي عملية انتخابية بالمعنى الحقيقي، بل هو أقرب إلى تصفية حسابات بين مراكز القوى.
الأزمة لم تعد مرتبطة بأسماء فقط، بل ببنية القرار ذاته: من يحكم الحركة؟ ومن يقرر مستقبلها؟ ومن يحتكر تمثيلها السياسي والمالي؟

هناك تيار داخل الحركة يرى أن القرار اختُطف منذ سنوات، وأن حماس لم تعد تُدار عبر مؤسساتها التنظيمية، بل عبر دائرة ضيقة مغلقة تحتكر النفوذ والمال والعلاقات الخارجية، وتفرض إرادتها على بقية الأطر، مستخدمةً سلاح الولاء التنظيمي، والهيمنة المالية، والغطاء الأمني.

هذا التيار يتهم بوضوح ما يسميه “مطبخ القرار المغلق” داخل الحركة بأنه صادر إرادة القواعد، وحوّل مؤسسات الشورى إلى واجهات شكلية لا تملك من أمرها شيئًا، بينما تُتخذ القرارات الحقيقية في غرف مغلقة، وفق حسابات النفوذ لا وفق مصلحة الحركة أو جمهورها.

اختطاف القرار… من الشورى إلى الاحتكار

واحدة من أخطر التهم التي تتردد اليوم داخل أوساط الحركة، هي أن قرار حماس لم يعد قرارًا تنظيميًا مستقلًا، بل بات رهينة لمجموعة ضيقة نجحت في اختطاف مفاصل الحركة وتحويلها إلى شبكة نفوذ مغلقة.

هذه المجموعة – وفق تسريبات متقاطعة من داخل أطر الحركة – لا تدير فقط القرار السياسي، بل تتحكم كذلك في مفاصل المال، وشبكات التعيين، وقنوات الدعم، وآليات الترقي التنظيمي، بما يجعلها صاحبة اليد العليا في رسم شكل القيادة المقبلة.

وبحسب هذه المعطيات، فإن معركة اختيار القيادة الجديدة لا تُحسم عبر صناديق داخلية نزيهة، بل عبر موازين النفوذ، وصفقات التوافق القسري، وتوزيع الحصص بين مراكز القوة، في مشهد يضرب بصورة الحركة التي لطالما سوّقت نفسها كتنظيم “مؤسساتي”.

والأخطر أن هذا الاختطاف لم يعد مجرد اتهام سياسي داخلي، بل بات قناعة تتسع حتى داخل بعض الدوائر التنظيمية التي ترى أن الحركة تُدار اليوم بعقلية الاحتكار لا بعقلية الشراكة، وأن مفهوم “الشورى” جرى تفريغه من مضمونه وتحويله إلى غطاء شكلي لتمرير قرارات معدّة سلفًا.

الفساد يعود إلى الواجهة

ومع احتدام معركة الخلافة، عادت إلى الواجهة ملفات حاولت الحركة طويلًا إبقاءها في الظل، وفي مقدمتها ملفات الفساد المالي والإداري التي تتردد منذ سنوات داخل أوساطها، قبل أن يعيد الصراع الحالي فتحها من جديد.

الحديث هنا لا يدور عن تجاوزات فردية معزولة، بل عن منظومة كاملة من الامتيازات، والمحسوبيات، وإدارة المال التنظيمي خارج الرقابة الحقيقية، وتوزيع الموارد وفق الولاء لا الكفاءة، ومنح النفوذ المالي لمن يدور في فلك مراكز القرار.

وتشير تسريبات متداولة داخل أوساط مقربة من الحركة إلى أن ملفات التمويل، والتحويلات، وإدارة الموارد الخارجية، والاستثمارات المرتبطة ببعض الواجهات الاقتصادية، باتت جزءًا من أدوات الصراع بين الأجنحة، حيث يستخدم كل طرف ما يملك من معلومات وملفات للضغط على خصومه أو تحجيم نفوذهم.

بمعنى آخر، فإن الفساد داخل حماس لم يعد مجرد ملف أخلاقي أو تنظيمي مؤجل، بل أصبح اليوم ورقة ابتزاز داخلية تُستخدم في معركة إعادة توزيع النفوذ.

المال والسلاح… معادلة الحسم

الصراع داخل حماس لا تحكمه الاعتبارات السياسية فقط، بل معادلة أكثر قسوة ووضوحًا: من يملك المال؟ ومن يملك السلاح؟
فهذان العاملان وحدهما يحددان فعليًا شكل القيادة المقبلة، وحدود نفوذها، وقدرتها على فرض إرادتها.

الجناح الذي يملك شبكات التمويل والنفوذ الخارجي يسعى لفرض قيادة تضمن استمرار قبضته على القرار السياسي والمالي، فيما يسعى الجناح الذي يملك أدوات القوة على الأرض إلى حماية نفوذه ومنع تهميشه في أي صيغة جديدة.

وبين الطرفين، تبدو القواعد التنظيمية مجرد جمهور يُطلب منه التصفيق لنتائج جرى إعدادها مسبقًا، تحت عنوان “الانتخابات الداخلية” و”الشرعية التنظيمية”.

أزمة قيادة أم أزمة بنية؟

المشكلة الحقيقية داخل حماس اليوم ليست فقط في هوية القيادة الجديدة، بل في طبيعة البنية التي ستنتجها.
فالحركة لا تواجه مجرد أزمة أسماء، بل أزمة بنية تنظيمية كاملة، بعدما تحوّل القرار فيها من مؤسسات إلى شبكات، ومن شورى إلى اصطفافات، ومن مشروع سياسي إلى صراع نفوذ.

ولهذا، فإن أي تغيير شكلي في الواجهة القيادية لن يكون كافيًا لإخفاء حقيقة الأزمة، لأن جوهر المأزق أعمق بكثير: حركة تعيش صراعًا داخليًا على السلطة، بينما تحاول إقناع جمهورها أنه مجرد “تجديد تنظيمي”.

ما يجري اليوم داخل حماس ليس انتقالًا هادئًا للقيادة، بل معركة مفتوحة على النفوذ، تُدار في الظل، وتُحسم بالأوراق الثقيلة: المال، الولاء، السلاح، والملفات السرية.

أما الحديث عن الشورى، والمؤسسات، والنزاهة التنظيمية، فلم يعد بالنسبة لكثيرين داخل الحركة وخارجها سوى غطاء سياسي مهترئ، يخفي تحته حقيقة أكثر وضوحًا:
حماس لا تعيش لحظة تجديد… بل لحظة انكشاف داخلي غير مسبوقة.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.