شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 2 مايو 2026

المدعو أدهم أبو سلمية.. من جباية الشارع في غزة إلى الاستثمار في دماء المنكوبين بين تركيا وسلطنة عُمان

المدعو أدهم أبو سلمية.. من جباية الشارع في غزة إلى الاستثمار في دماء المنكوبين بين تركيا وسلطنة عُمان

لم يعد الحديث عن الفساد داخل المنظومة الإعلامية والمالية التابعة لحركة حماس مجرد ترف سياسي أو سجال إعلامي عابر، بل أصبح ضرورة أخلاقية ووطنية أمام حجم الانهيار الذي أصاب القضية الفلسطينية على يد شبكات الانتهاز والارتزاق التي اتخذت من دماء أهل غزة سلعة، ومن مأساتهم مشروعًا استثماريًا مفتوحًا بلا سقف ولا رقيب. وفي مقدمة هذه الوجوه التي صعدت على أكتاف الجوع والدمار واللجوء، يبرز اسم المدعو أدهم أبو سلمية، بوصفه نموذجًا فجًا لما يمكن أن تفعله ماكينة حماس حين تُحوّل “الناشط” إلى تاجر، و”الإعلامي” إلى سمسار، و”المتحدث باسم الألم” إلى جامع تبرعات محترف لا يرى في غزة إلا خزينة مفتوحة.

أدهم أبو سلمية ليس ناشطًا بالمعنى الوطني، ولا إعلاميًا بالمعنى المهني، ولا متحدثًا باسم المأساة كما يحاول أن يقدّم نفسه في المنابر والشاشات وصفحات التمويل. هو ببساطة أحد الوجوه التي أتقنت لعب دور “الضحية الناطقة” بلسان غزة، بينما كانت تمارس في الخلفية واحدة من أكثر عمليات الاستثمار وقاحة في المأساة الفلسطينية. سنوات طويلة قضاها الرجل متنقلًا بين الخطاب العاطفي، وصور الضحايا، ومشاهد الركام، باكيًا أمام الكاميرات على غزة، بينما كانت التبرعات تُجمع باسم غزة، وتُسحب باسم الإغاثة، وتُدار في شبكات مغلقة لا تخضع لشفافية، ولا رقابة، ولا مساءلة.

المشكلة في حالة أدهم أبو سلمية لا تكمن فقط في كونه فردًا انتهازيًا وجد في الكارثة فرصة، بل في كونه جزءًا من منظومة كاملة أتقنت استخدام المأساة كأداة للتمويل السياسي والمالي. منظومة لا ترى في الدم الفلسطيني مأساة يجب إنهاؤها، بل موردًا يجب استثماره. ومن هنا لم يكن مستغربًا أن يتحول أبو سلمية من مجرد اسم يتردد في أروقة الإعلام الحمساوي، إلى لاعب متنقل بين تركيا وسلطنة عُمان، يقدّم نفسه كـ”صوت غزة” في المؤتمرات، و”مدافع عن المظلومين” في الحملات، بينما تتضخم حوله الشبهات، وتتراكم الأسئلة حول الأموال، ومساراتها، والجهات التي دخلت إليها، والجهات التي لم ترَ منها شيئًا.

لقد احترفت هذه الطبقة من “نشطاء التمويل” لعبة الاستدرار العاطفي إلى حد الاحتراف. صورة طفل تحت الركام، منشور عاجل، خطاب مشحون، نداء إنساني، حساب مصرفي، ثم صمت. بعدها لا أحد يعرف كم جُمع، ولا أين ذهب، ولا من استلم، ولا من راجع، ولا من حاسب. هكذا تمامًا تحوّلت غزة في خطاب هؤلاء إلى مشروع جباية موسمي، كلما اشتد القصف ارتفعت الإيرادات، وكلما اتسعت المجازر زادت حملات التبرع، وكلما تعمّق الخراب انتفخت الحسابات. وبين كل هذا، يخرج أدهم أبو سلمية وأمثاله بوجوه حزينة وخطاب مكرر عن الصمود، بينما الصمود الحقيقي كان لأهل غزة الذين يموتون جوعًا ولا تصلهم الفتات من أموال جُمعت باسمهم.

أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد مجرد فساد مالي تقليدي، بل أصبحت شكلًا من أشكال السمسرة السياسية بدماء الناس. فحين يتحول “الناشط” إلى وسيط أموال، ويتحول “الخطاب الإنساني” إلى غطاء مالي، وتتحول “الإغاثة” إلى شبكة مصالح عابرة للحدود، فإننا لا نكون أمام تجاوز فردي، بل أمام بنية فساد كاملة تتغذى على الحصار، وتربح من الحرب، وتخشى انتهاء المأساة لأنها ببساطة تعني نهاية الامتيازات.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يتردد اسم أدهم أبو سلمية في أكثر من ملف، ولا أن تحوم حوله شبهات متزايدة تتعلق بجمع التبرعات، وتدويرها، واستثمارها سياسيًا وإعلاميًا، في بيئة تفتقد أصلًا لأبسط شروط الشفافية. فمن يملك الجرأة على كشف كشوفات التبرعات؟ من يراجع مصادر التمويل؟ من يسأل عن أوجه الصرف؟ من يفتح ملفات الحسابات؟ ومن يجرؤ أصلًا على محاسبة شخص محمي بخطاب “غزة تُذبح” كلما اقترب أحد من ملفاته؟

هذه هي الحيلة الكبرى: الاحتماء بالمأساة. كل من يسأل عن المال يُتهم بالخيانة. كل من يطالب بكشف الحساب يُتّهم بخدمة الاحتلال. كل من يطالب بالشفافية يُشهر به بوصفه “مشبوهًا”. هكذا بنت هذه الطبقة حصانتها: لا بالقانون، بل بالابتزاز العاطفي. لا بالنزاهة، بل بالمتاجرة بالدم. لا بالشرعية، بل بالقدرة على الصراخ أعلى من الضحايا أنفسهم.

لقد سرق الاحتلال أرواح أهل غزة، وسرقت هذه الطبقة ما تبقى: صوتهم، جوعهم، صورتهم، وحقهم في أن تصل إليهم أموال جُمعت باسمهم. وهذه هي الجريمة الأشد قبحًا. أن يُقتل الناس مرة بالصواريخ، ثم يُنهبوا مرة أخرى على موائد التبرعات، ثم يُطلب منهم الصمت باسم “الوطنية”.

إن قضية أدهم أبو سلمية ليست قضية شخص، بل قضية نموذج يجب فضحه. نموذج “الناشط المأجور” الذي يتقن البكاء على الهواء، وجمع الأموال في الظل، وتدوير المأساة عبر الحدود، ثم تقديم نفسه بوصفه ممثلًا للضمير الفلسطيني. هذا النموذج هو أحد أوجه الكارثة الفلسطينية الحديثة، لأنه لا يكتفي بالعيش على الألم، بل يعيد إنتاجه، ويستثمر فيه، ويطيل عمره.

غزة لا تحتاج تجار مآسٍ. لا تحتاج سماسرة دم. لا تحتاج محترفي بكاء على المنابر. غزة تحتاج من يحترم دمها، لا من يبيعه. تحتاج من ينقل وجعها بصدق، لا من يضعه في فاتورة. تحتاج من يفتح دفاتر الحساب، لا من يخفيها خلف الشعارات.

وحين يُفتح يومًا ملف “التبرعات المنهوبة” و”الدم الفلسطيني المستثمَر”، فلن يكون اسم أدهم أبو سلمية بعيدًا عن الصفحات الأولى، لا بوصفه ناشطًا، بل بوصفه واحدًا من أكثر الوجوه التي احترفت تحويل المأساة إلى مهنة، والدم إلى رصيد، وغزة إلى مشروع تمويل مفتوح.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.