شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 2 مايو 2026

معتز العزايزة.. حين يصبح كشف الحقيقة جريمة في قاموس ذباب حماس الإلكتروني

معتز العزايزة.. حين يصبح كشف الحقيقة جريمة في قاموس ذباب حماس الإلكتروني

في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الشعوب المنكوبة، يظهر من يختار أن يقول الحقيقة مهما كان ثمنها، ويظهر في المقابل من يتفرغ لتشويه تلك الحقيقة، لا بالرد عليها ولا بمقارعتها بالحجة، بل باغتيال أصحابها أخلاقيًا وسياسيًا وإنسانيًا. وهذا بالضبط ما يتعرض له اليوم الصحفي الفلسطيني معتز العزايزة، الذي وجد نفسه هدفًا لحملة قذرة ومنظمة تقودها لجان حماس الإلكترونية ووحدات الذباب الإعلامي التابعة لها، فقط لأنه قال ما لا تريد الحركة سماعه، ورفض أن يكون شاهد زور على الجريمة.

معتز العزايزة لم يرتكب جريمة، ولم يخن وطنًا، ولم يبع قضية. كل ما فعله أنه مارس حقه الطبيعي والمهني والأخلاقي كصحفي فلسطيني حر، فنقل الحقيقة كما هي، ورفض أن يُجمّل الخراب، أو يشارك في تسويق الكارثة، أو يصف الهاوية بأنها “نصر”. وهذه وحدها، في قاموس الجماعات الشمولية، تهمة لا تُغتفر.

منذ أن خرج معتز عن النص الحمساوي المفروض، ورفض أن يكون بوقًا دعائيًا لمغامرات سياسية وعسكرية دفعت غزة ثمنها دمًا وخرابًا وجوعًا وتشريدًا، انطلقت ضده ماكينة التشويه المعهودة. ذات الأسطوانة، ذات اللغة، ذات القاموس الرخيص: مرة يُتهم بالارتباط مع الاحتلال، ومرة بالعمالة، ومرة بالانحراف الأخلاقي، ومرة بالخيانة الوطنية. اتهامات جاهزة، معلبة، مبتذلة، تُستخدم ضد كل من يجرؤ على كسر جدار الصمت، وكل من يرفض الانضمام إلى جوقة التهليل فوق أنقاض غزة.

هذه الحملات لم تعد خافية على أحد. هي ليست ردود فعل عفوية من “جمهور غاضب”، بل سلوك منظم تقوده حسابات معروفة، وصفحات ممولة، وأذرع إلكترونية تعمل بمنهج واضح: اغتيال السمعة بدل مواجهة الحقيقة، وتشويه الأشخاص بدل الرد على الوقائع، وتحويل أي صوت مستقل إلى “عدو” يجب سحقه معنويًا. إنها ذات المدرسة التي لا تجيد سوى التخوين والتشهير والتلفيق، لأنها ببساطة عاجزة عن الدفاع عن سجلها الكارثي في غزة.

وحين تعجز هذه اللجان عن تبرير ما جرى ويجري في القطاع من خراب شامل، لا تجد أمامها إلا الهروب إلى الأمام عبر صناعة عدو بديل. ومعتز العزايزة، بصفته صحفيًا حرًا وصوتًا مؤثرًا وصاحب مصداقية واسعة، كان هدفًا مثاليًا لهذه الحملة. فالرجل الذي نقل مأساة غزة إلى العالم، ووثّق بالصورة والصوت حجم الكارثة الإنسانية، أصبح فجأة متهمًا لأنه رفض أن يساوي بين الضحية ومن تسبب في تعميق مأساتها، ورفض أن يمنح صكوك البراءة لمن قاد القطاع إلى الكارثة ثم طالب الناس بالتصفيق.

اللافت في هذه الحملة أنها لا تستهدف معتز كشخص فقط، بل تستهدف كل نموذج الصحفي الحر الذي لا يخضع، ولا يُشترى، ولا يردد ما يُملى عليه. الهجوم على معتز هو رسالة ترهيب لكل صحفي، ولكل ناشط، ولكل صاحب رأي: إما أن تصفقوا، أو تُشوَّهوا. إما أن تلتزموا بالرواية الرسمية، أو تُتهموا في شرفكم ووطنيتكم وأخلاقكم. وهذا هو جوهر الاستبداد حين يرتدي قناع “المقاومة”.

إن أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط ما تحمله من انحطاط أخلاقي، بل ما تكشفه من عقلية مأزومة لا ترى في النقد إلا خيانة، ولا في الصحافة إلا أداة تعبئة، ولا في الناس إلا جنودًا في ماكينة الدعاية. عقلية لا تحتمل السؤال، لأنها تعرف أن أول سؤال صادق كفيل بفضح كل شيء.

معتز العزايزة اليوم لا يتعرض لهجوم لأنه أخطأ، بل لأنه رفض أن يكذب. يُهاجم لأنه قال إن غزة تُذبح، وإن من حق الناس أن تسأل من أوصلها إلى هنا، ومن يملك القرار، ومن يصر على تكرار المأساة ثم يطلب حصانة أبدية من المساءلة. يُهاجم لأنه فهم أن الوطنية ليست تصفيقًا للخراب، وأن الدفاع عن الناس لا يكون بتبرير موتهم، وأن الصحافة ليست منشورًا حزبيًا.

وما تتعرض له شخصية إعلامية بحجم معتز العزايزة ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من القمع المعنوي المنظم، الذي تمارسه لجان إلكترونية لا تملك من أدوات المواجهة سوى الكذب والتلفيق والابتزاز الأخلاقي. لكن هذه الحملات، مهما بلغت من قذارة، لن تغيّر حقيقة واحدة: أن الكلمة الحرة تزعجهم، وأن الصحفي الحر يفضحهم، وأن من يخاف من صوت الحقيقة لا يملك قضية… بل يملك فقط ماكينة قمع، وذبابًا إلكترونيًا، وسجلًا مثقلًا بالخراب.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.