في ظل التحولات العاصفة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وما يواجهه شعبنا من تحديات غير مسبوقة على المستويات الوطنية والسياسية والتنظيمية، تبرز الحاجة اليوم إلى قيادات فتحاوية تمتلك الشجاعة في اتخاذ المواقف، والقدرة على تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي حسابات شخصية أو فئوية. ومن بين هذه الشخصيات الوطنية والتنظيمية يبرز اسم العميد بهاء بعلوشة، بوصفه أحد الكوادر الفتحاوية التي اختارت الانحياز إلى وحدة الحركة وإسناد أبنائها في قطاع غزة، بعيداً عن منطق التنافس الضيق والسعي وراء المواقع.
لقد حملت الرسالة الأخيرة التي أعلن فيها العميد بهاء بعلوشة موقفه التنظيمي والسياسي دلالات عميقة تتجاوز حدود الترشح أو عدمه، لتؤكد أن حركة فتح ما زالت قادرة على إنجاب رجال يضعون الحركة فوق ذواتهم، ويؤمنون بأن المشروع الوطني الفلسطيني أكبر من أي منصب أو مكسب شخصي.
فحين يعلن الرجل، بكل وضوح ومسؤولية، ترك المجال لإخوانه المتواجدين داخل قطاع غزة للترشح لعضوية اللجنة المركزية، فإنه لا يقدم مجرد موقف بروتوكولي، بل يرسل رسالة وفاء وانتماء حقيقية لأبناء الحركة في القطاع الذين عاشوا سنوات طويلة تحت الحصار والعدوان والمعاناة اليومية. إنها رسالة تقول إن أبناء غزة ليسوا مجرد هامش تنظيمي، بل هم قلب المعركة الوطنية، وأصحاب الحق الطبيعي في أن يكونوا في صدارة القرار الفتحاوي خلال هذه المرحلة الحساسة.
هذا الموقف يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة، ويؤكد أن العميد بهاء بعلوشة يدرك أن قوة حركة فتح تبدأ من تماسكها الداخلي، ومن قدرتها على إعادة الاعتبار لكوادرها المناضلة في قطاع غزة الذين دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن المشروع الوطني الفلسطيني، وعن الشرعية الفلسطينية، وعن تاريخ الحركة النضالي.
ولعل الأهم في هذا الموقف أنه يأتي في وقت تعاني فيه الساحة الفلسطينية من حالة إنهاك سياسي وتنظيمي، ومن محاولات متكررة لإضعاف دور حركة فتح وتشويه صورتها. لذلك فإن الدعوة التي أطلقها العميد بهاء بعلوشة لإعادة رص الصفوف وتعزيز الوحدة الداخلية، ليست مجرد شعارات عابرة، بل تمثل رؤية تنظيمية وطنية تسعى إلى استنهاض الحركة واستعادة دورها الريادي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.
إن الحديث عن المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يجب أن يُختزل في سباق على المناصب أو معركة نفوذ داخلية، بل ينبغي أن يكون محطة حقيقية للمراجعة والبناء والتجديد. وهذا تماماً ما حاول العميد بهاء بعلوشة التأكيد عليه حين شدد على أن المرحلة الراهنة هي “لحظة إنقاذ وبناء واستنهاض”، وليست لحظة انقسام أو تصفية حسابات.
ومن هنا، فإن ترشحه لعضوية المجلس الثوري يحمل بعداً تنظيمياً مهماً، لأنه يقدم نموذجاً لقيادي فتحاوي يؤمن بالشراكة، وبحق أبناء الحركة في المشاركة بصناعة القرار، بعيداً عن الإقصاء أو التفرد. فالمجلس الثوري ليس مجرد هيئة تنظيمية، بل هو مساحة للدفاع عن نبض القاعدة الفتحاوية، وعن تطلعات أبناء الحركة الذين يريدون رؤية فتح قوية، موحدة، وقادرة على مواجهة التحديات.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن أي محاولة لتهميش قطاع غزة داخل البنية التنظيمية لحركة فتح تنعكس سلباً على الحركة بأكملها، لأن غزة ليست تفصيلاً عابراً في التاريخ الفتحاوي، بل كانت وما زالت واحدة من أهم ساحات النضال الوطني الفلسطيني، وقدمت للحركة آلاف الشهداء والأسرى والجرحى.
ومن هذا المنطلق، فإن موقف العميد بهاء بعلوشة يعيد الاعتبار لفكرة العدالة التنظيمية والشراكة الوطنية داخل الحركة، ويؤكد أن أبناء غزة يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في صياغة مستقبل فتح، لا مجرد متلقين للقرارات.
كما أن الرسالة حملت بعداً أخلاقياً مهماً، حين أعادت التذكير بأن حركة فتح لم تُبنَ بالمصالح الضيقة ولا بالمواقع، وإنما بدماء الشهداء وتضحيات المناضلين الذين آمنوا بفلسطين وبحق شعبها في الحرية والاستقلال. وهذه اللغة الوطنية الجامعة تعكس روحاً فتحاوية أصيلة تحتاجها الحركة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن القاعدة الفتحاوية اليوم تتطلع إلى شخصيات تمتلك الجرأة على قول الحقيقة، والقدرة على تجاوز الحسابات الصغيرة، والعمل من أجل وحدة الحركة واستعادة ثقة الجماهير بها. وفي هذا السياق، يبدو العميد بهاء بعلوشة واحداً من الأصوات التي تحاول إعادة البوصلة نحو جوهر المشروع الفتحاوي الحقيقي: الوحدة، والشراكة، والانتماء الوطني الصادق.
وفي ظل الظروف المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية، فإن نجاح المؤتمر الثامن في إنتاج حالة وحدوية حقيقية داخل حركة فتح سيكون خطوة أساسية نحو استعادة قوة الحركة ودورها الوطني التاريخي. وهو ما يتطلب من جميع أبناء الحركة الالتفاف حول خطاب العقل والوحدة، والابتعاد عن منطق الإقصاء والخلافات الداخلية.
لقد أراد العميد بهاء بعلوشة من خلال رسالته أن يقول إن فتح أكبر من الجميع، وأن إنقاذها مسؤولية جماعية، وأن أبناء الحركة مطالبون اليوم بالارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه شعبنا وقضيتنا الوطنية.
وهي رسالة تستحق التقدير، لأنها تنطلق من الحرص على الحركة، والإيمان بتاريخها، والثقة بقدرتها على النهوض من جديد، موحدة وقوية وقادرة على حمل راية المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة كل التحديات.