شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 10 مايو 2026

الذباب الإلكتروني والهروب من الحقيقة: كيف تحاول حماس تحميل الأردن مسؤولية مأساة غزة؟

الذباب الإلكتروني والهروب من الحقيقة: كيف تحاول حماس تحميل الأردن مسؤولية مأساة غزة؟

في ذروة الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، وفي الوقت الذي ينتظر فيه الناس موقفاً وطنياً مسؤولاً يخفف من معاناتهم ويوقف نزيف الدم والجوع والانهيار، تنشغل مواقع مشبوهة وصفحات مرتبطة بلجان الذباب الإلكتروني التابعة لحركة حماس بفتح معارك جانبية ضد دول ومؤسسات عربية، وعلى رأسها المخابرات الأردنية، عبر حملات تحريض ممنهجة تحاول تحميل الأردن مسؤولية حصار غزة والتغطية على الفشل الداخلي والانهيار السياسي والإداري الذي أوصل القطاع إلى هذه المرحلة الكارثية.

هذه الحملات لم تعد مجرد “آراء إلكترونية” عابرة، بل أصبحت جزءاً من ماكينة دعائية منظمة تعمل وفق خطاب تعبوي يقوم على تصدير الأزمات واختلاق الأعداء والهروب من أي مراجعة حقيقية للمشهد في غزة. فبدلاً من الاعتراف بأن قرارات السابع من أكتوبر وما تبعها من مغامرات غير محسوبة دفعت أهل القطاع إلى واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخهم، يجري توجيه البوصلة نحو الأردن ومؤسساته الأمنية، في محاولة بائسة لصناعة رواية بديلة تبرئ حماس من مسؤولياتها السياسية والأخلاقية.

واللافت أن هذه الحملات تتجاهل عمداً حجم الحراك الشعبي والسياسي الأردني الداعم لغزة، حيث شهدت عمّان خلال الأشهر الماضية فعاليات ومسيرات واسعة رفضاً للعدوان الإسرائيلي وتضامناً مع الفلسطينيين. ومع ذلك، تصر المنصات المحسوبة على حماس على تصوير الأردن وكأنه شريك في الحصار، في خطاب تحريضي لا يخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي الذي يستفيد دائماً من ضرب العلاقات الفلسطينية العربية وإشعال الفتن بين الشعوب.

إن ما تقوم به لجان الذباب الإلكتروني اليوم يكشف أزمة عميقة داخل بنية الخطاب الحمساوي نفسه؛ فكلما اتسعت دائرة الغضب الشعبي داخل غزة بسبب الجوع والفوضى وغياب الحلول، ازدادت وتيرة حملات التخوين والتشويه ضد أي طرف خارجي. إنها سياسة “الهروب إلى الأمام” المعتادة: البحث عن شماعة جديدة لتعليق الفشل عليها، حتى لو كان الثمن تخريب العلاقات مع دولة عربية احتضنت الفلسطينيين لعقود طويلة.

ومن الواضح أيضاً أن هذه الحملات تتعمد استهداف الأجهزة الأمنية الأردنية تحديداً، لأن الأردن بات يتعامل بحساسية عالية مع أي محاولات لاستخدام أراضيه أو ساحته الداخلية في صراعات إقليمية معقدة، في ظل تصاعد ملفات التهريب والتنظيمات غير القانونية والتحركات العابرة للحدود. وقد نشرت وسائل إعلام وتقارير متعددة خلال الأشهر الأخيرة أخباراً تتعلق بقضايا أمنية وتهريب أسلحة ونشاطات مرتبطة بجماعات وتنظيمات داخل الأردن والمنطقة.

لكن بدلاً من قراءة هذه المعطيات بعقلانية، اختارت المنصات المرتبطة بحماس تحويل الأمر إلى حملة شيطنة وتحريض مباشر ضد الدولة الأردنية ومؤسساتها، في محاولة لاستثارة الشارع عاطفياً وإعادة إنتاج خطاب المظلومية الذي تستخدمه الحركة كلما واجهت أزمة داخلية أو تراجعاً في شعبيتها.

والأخطر من ذلك أن هذه اللجان الإلكترونية لا تكتفي بالتضليل، بل تمارس خطاباً قائماً على بث الشائعات والتلاعب بالمعلومات وتكرار السرديات الموجهة، وهو ما بات محل دراسة عالمية في أبحاث تتناول أساليب التضليل الرقمي والتأثير الإلكتروني في الخطاب العربي على منصات التواصل. فالمسألة لم تعد مجرد “مناصرين” على الإنترنت، بل منظومات دعائية كاملة تعمل على صناعة رأي عام وهمي، وتوجيه الغضب الشعبي بعيداً عن الأسباب الحقيقية للأزمة.

إن أهل غزة اليوم لا يحتاجون إلى حملات تخوين جديدة، ولا إلى جيوش إلكترونية تبحث عن خصوم عرب، بل يحتاجون إلى مراجعة شجاعة تعترف بالأخطاء وتقدم مصلحة الناس على الحسابات التنظيمية الضيقة. فالجائع في غزة لا تعنيه معارك الهاشتاغات، والطفل الذي يبحث عن رغيف خبز أو دواء لا يحتاج خطابات تحريض ضد الأردن أو غيره، بل يحتاج قراراً مسؤولاً ينقذه من الموت البطيء.

لقد أصبح واضحاً أن جزءاً كبيراً من الخطاب الإلكتروني المرتبط بحماس لا يهدف إلى حماية غزة، بل إلى حماية صورة الحركة مهما كان الثمن، حتى لو تم ذلك عبر التحريض على دول عربية وتشويه مؤسساتها وزرع الانقسام في لحظة يفترض أن تكون لحظة وحدة وتضامن. وهذه ليست مقاومة إعلامية، بل إدارة أزمة عبر التضليل والهروب من الحقيقة.

وفي النهاية، فإن الحقيقة التي تحاول هذه الحملات طمسها تبقى واضحة: من حاصر غزة فعلياً هو الاحتلال الإسرائيلي، لكن من ورّط غزة في حسابات كارثية دون رؤية واضحة، ثم عجز عن حماية الناس أو توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، يتحمل أيضاً مسؤولية تاريخية لا يمكن دفنها تحت ضجيج الذباب الإلكتروني ولا خلف حملات التحريض ضد الأردن أو غيره.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.