في كل يوم يخرج علينا بعض الإعلاميين والخطباء والناشطين المرتزقة بخطابات مشبعة بالشعارات الكبرى عن “الشهادة” و”اللقاء على الحوض” و”الموت في سبيل القضية”، وكأن الموت بات مشروعًا دعائيًا يُسوَّق للناس على المنابر والإذاعات وشاشات البث المباشر. لكن المفارقة الصادمة تظهر عندما يخرج أحد هؤلاء أنفسهم ليتحدث بخوفٍ واضح من الموت، أو يناشد الناس للتحرك لإنقاذه وإنقاذ من حوله، وكأن غريزة الحياة التي حاول طويلاً إنكارها عادت لتفضح التناقض الكبير بين الخطاب والواقع.
ما كتبه المدعو محمود العامودي الناعق في صوت الأقصى التابع لحركة حماس وصاحب السجل الأسود في بث الفتن والكذب لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل كشف حالة نفسية وإنسانية طبيعية جدًا: الخوف من الفقد والموت والدمار. وهذه ليست تهمة، بل حق إنساني مشروع. الإنسان بطبيعته يريد أن يعيش، يريد الأمان والحياة الكريمة، ويرفض أن يفقد أحبته كل يوم. لكن المشكلة الحقيقية ليست في خوفه من الموت، بل في الخطاب الذي ظل لسنوات يُقنع الناس بعكس ذلك، ويحوّل الموت إلى شعار يومي يُطلب من الآخرين التصفيق له بينما يظل الجميع في النهاية متمسكين بالحياة.
حين يقول شخص للناس ليل نهار إن “الشهادة أعظم أمنية”، وإن “الموت طريق المجد”، ثم يخرج مستغيثًا من حجم الرعب والخراب، فإن السؤال يصبح مشروعًا: لماذا يُطلب من الناس أن يعيشوا بعقلية الفناء بينما قادة الخطاب أنفسهم يتمسكون بالحياة حتى اللحظة الأخيرة؟ ولماذا تُستخدم العواطف الدينية والشعارات التعبوية لدفع الشباب نحو المجهول بينما الجميع، بلا استثناء، يريد النجاة لعائلته وأطفاله ومستقبله؟
القضية الفلسطينية لم تكن يومًا قضية عشق للموت، بل قضية شعب يريد الحياة بحرية وكرامة. لكن بعض الخطابات الحزبية والإعلامية اختزلت النضال كله في ثقافة الموت والتضحية المفتوحة بلا حساب، حتى صار من يطالب بالحياة الطبيعية أو ينتقد هذا النهج يُتهم بالضعف أو الخيانة أو قلة الإيمان.
الناس في غزة لم يعودوا يحتملون المزيد من الشعارات الجوفاء. آلاف العائلات فقدت أبناءها ومنازلها وأحلامها، بينما لا يزال البعض يتحدث بنفس اللغة القديمة التي لم تنتج إلا مزيدًا من الخراب. المواطن البسيط يريد أن يعيش، أن يربي أبناءه، أن يجد كهرباء وماء وأمانًا ومستقبلًا، لا أن يتحول إلى رقم جديد في نشرات الأخبار أو مادة جديدة للخطابات الحماسية.
التناقض الأخطر أن كثيرًا ممن يرفعون سقف الشعارات هم أول من ينهار أمام مشهد الموت الحقيقي. وهذا ليس انتقاصًا منهم، بل دليل واضح على أن الخطاب نفسه غير صادق وغير واقعي. لأن الإنسان الطبيعي يحب الحياة، مهما حاول أن يخفي ذلك خلف العبارات الرنانة.
لقد آن الأوان لمراجعة هذا الخطاب بالكامل. فتمجيد الموت لن يبني وطنًا، والمتاجرة بعواطف الناس لن تصنع تحريرًا، واستنزاف المجتمع نفسيًا وإنسانيًا لن يقود إلا إلى مزيد من الانهيار. المطلوب اليوم خطاب صادق يحترم عقل الناس، يعترف بحقهم في الحياة، ويكف عن استخدام الدين والمشاعر لتبرير الكوارث المستمرة.
غزة لا تحتاج مزيدًا من الخطب التي تدفع الناس نحو اليأس، بل تحتاج مشروعًا يحمي الإنسان الفلسطيني بدل تحويله إلى وقود دائم للصراع. فالحياة الكريمة ليست خيانة، والخوف من الموت ليس نفاقًا، بل الحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها خلف ستار الشعارات.