في كل مرة يخرج صوت فلسطيني رسمي ليتحدث عن ملف التبرعات والمساعدات بشفافية، تتحرك جيوش إلكترونية ومنصات حزبية لتغيير مسار النقاش من البحث عن الحقيقة إلى مهاجمة الأشخاص. وهذا ما يبدو أنه حدث عقب التصريحات الأخيرة للسفير الفلسطيني لدى موريتانيا، بشير أبو حطب، والتي أثارت موجة واسعة من الجدل بعد حديثه عن التبرعات التي جُمعت باسم غزة، مؤكداً أن السفارة الفلسطينية لم تتلق ما يثبت وصول تلك الأموال إلى مستحقيها عبر القنوات الرسمية.
بدلاً من التعامل مع التصريحات من خلال تقديم الوثائق والأدلة والبيانات المالية التي تؤكد مسارات الأموال وأوجه صرفها، انطلقت حملات هجومية عبر مواقع ومنصات محسوبة على تيارات سياسية مختلفة، ركزت على التشكيك بالسفير نفسه أكثر من تركيزها على الإجابة عن السؤال الجوهري: أين ذهبت التبرعات؟ وكيف وصلت؟ ومن هي الجهات التي استلمتها؟
إن القضية هنا لا تتعلق بشخص السفير أو بموقف سياسي عابر، بل تتعلق بأموال تبرع بها شعب موريتانيا الشقيق بدافع إنساني وأخلاقي لدعم أبناء غزة الذين يعيشون واحدة من أصعب الكوارث الإنسانية في تاريخهم الحديث. وعندما تُثار تساؤلات حول مصير تلك الأموال، فإن الرد الطبيعي ينبغي أن يكون كشف الحسابات والوثائق وسلاسل التحويل والتوزيع، لا إطلاق حملات التخوين والتشهير.
لقد أكد السفير في أكثر من مناسبة أنه تعرض لحملة من الإساءات والاتهامات عقب تصريحاته، وأنه ما زال متمسكاً بما قاله استناداً إلى ما توفر لديه من معلومات رسمية بصفته ممثلاً لدولة فلسطين في موريتانيا.
المشكلة الحقيقية أن بعض المنصات الحزبية اعتادت تحويل أي نقاش يتعلق بالشفافية والمساءلة إلى معركة ولاءات سياسية. فبدلاً من اعتبار المطالبة بكشف مصير التبرعات حقاً مشروعاً للمتبرعين وللشعب الفلسطيني نفسه، يجري تصوير كل سؤال على أنه استهداف سياسي أو خدمة لأجندات معادية. هذه المعادلة الخطيرة لا تحمي القضية الفلسطينية، بل تضر بها وتضعف ثقة الشعوب العربية والإسلامية التي ما زالت تقدم الدعم المالي والإنساني رغم الظروف الصعبة.
إن احترام تضحيات أهل غزة يبدأ باحترام حقهم وحق المتبرعين في معرفة الحقيقة كاملة. فالأموال التي تُجمع باسم الجوعى والجرحى والنازحين ليست ملكاً لأي تنظيم أو تيار أو جهة، وإنما هي أمانة أخلاقية ووطنية وإنسانية. وكلما زادت الشفافية، ازدادت الثقة. وكلما أُغلقت الأبواب أمام الأسئلة المشروعة، اتسعت دائرة الشكوك.
وفي النهاية، فإن الحملات الإعلامية والوسوم الإلكترونية والاتهامات المتبادلة لن تُغلق الملف، لأن السؤال سيبقى قائماً: إذا كانت التبرعات قد وصلت بالفعل إلى مستحقيها، فأين الأدلة التي تثبت ذلك؟ أما إذا لم تصل، فمن المسؤول عن ذلك؟ تلك هي القضية التي تستحق الإجابة، بعيداً عن الضجيج الإعلامي وحملات التشويه المنظمة.