لم يعد التناقض في تصريحات قادة حركة حماس مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى سمة ثابتة في سلوكها السياسي والإعلامي، تكشف عن أزمة عميقة في بنية القرار داخل الحركة. فبين لحظة وأخرى، تتبدل اللغة، وتتغير المواقف، وتُعاد صياغة الرواية بما يتناسب مع الظرف، لا مع الحقيقة.
حين كان نيكولاي ميلادينوف يؤدي دور الوسيط الدولي في قطاع غزة، سمعنا من قادة حماس، وعلى رأسهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار، كلمات الترحيب والإشادة بجهوده، واعتباره “قناة مهمة لتخفيف الحصار” ووسيطًا يمكن البناء عليه. لكن لم تمضِ فترات طويلة حتى انقلب الخطاب رأسًا على عقب، ليُتهم الرجل نفسه بالانحياز، وتُهاجم أدواره، ويُشكك في نواياه، في مشهد يعكس ارتباكًا لا يمكن تجاهله.
هذا التناقض الفج لا يمكن فصله عن طبيعة الخطاب الذي يديره أيضًا متحدثون مثل فوزي برهوم وحازم قاسم، حيث تتبدل النبرة بين التهدئة والتصعيد وفقًا للحسابات اللحظية، لا وفقًا لثوابت سياسية واضحة. مرة يتم تسويق التفاهمات، ومرة يتم نسفها إعلاميًا، وكأن الهدف ليس إدارة أزمة، بل تدويرها واستثمارها.
الأمر لا يقف عند حدود التصريحات، بل يمتد إلى سلوك سياسي يفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق. فكيف يمكن لحركة تدّعي تمثيل شعب محاصر أن تتلاعب بخطابها بهذا الشكل؟ وكيف يمكن الوثوق بقيادة تتعامل مع القضايا المصيرية بمنطق “التجربة والخطأ”؟
الحقيقة الأكثر قسوة أن هذا التذبذب لا يضر فقط بصورة حماس، بل يضرب في العمق مصداقية القضية الفلسطينية برمتها. المجتمع الدولي لا يتعامل مع الشعارات، بل مع مواقف واضحة ومستقرة. وعندما يرى هذا القدر من التناقض، فإنه ببساطة يفقد الثقة، ويتعامل مع التصريحات باعتبارها أوراق ضغط لا أكثر.
أما داخليًا، فإن المواطن في غزة يدفع الثمن مضاعفًا. بين خطاب يعد بالانفراج، وآخر يهدد بالتصعيد، يعيش الناس في حالة ضبابية قاتلة. لا أحد يعرف ما هو الموقف الحقيقي، ولا إلى أين تتجه الأمور. كل شيء يبدو خاضعًا لمزاج سياسي متقلب، لا لاستراتيجية وطنية مسؤولة.
إن ما يجري ليس مجرد “اختلاف في التقدير”، بل أزمة قيادة وخطاب. ازدواجية فاضحة بين ما يُقال في الغرف المغلقة وما يُعلن على المنابر. ترحيب عندما تقتضي المصلحة، وهجوم عندما تتغير الحسابات. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة غائبة، والمصلحة الوطنية مؤجلة.
في النهاية، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح وهو قائم على هذا القدر من التناقض. فإما وضوح وثبات، أو استمرار في دائرة فقدان الثقة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقًا: إلى متى يستمر هذا الخطاب المزدوج دون مساءلة؟