في قطاع يعيش واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، كان من المفترض أن يشكل ملف “التحويلات الطبية” نافذة أمل لآلاف المرضى الذين أنهكهم الحصار وانهيار المنظومة الصحية. غير أن ما تكشفه الوقائع يشير إلى صورة مغايرة تماماً، حيث يتحول هذا الملف الحساس إلى ساحة للفساد والمحسوبية، تحت إشراف الجهات المسؤولة عن إدارة القطاع، وفي مقدمتها حركة حماس التي تتولى فعلياً إدارة هذا الملف.
المعطيات المتداولة تضع علامات استفهام كبيرة حول آليات العمل داخل هذا القطاع الحيوي، إذ تشير إلى وجود منظومة فساد تقودها شخصيات بعينها داخل الدوائر الصحية، في ظل غطاء إداري وحماية من مستويات عليا، ما يعكس خللاً عميقاً في منظومة الرقابة والمحاسبة التي تقع مسؤوليتها بالدرجة الأولى على الجهات الحاكمة في غزة.
في هذا السياق، تُطرح اتهامات مباشرة حول دور نيرمين أبو شعبان في إدارة ملف التحويلات بطريقة تفتقر للشفافية، وسط حديث عن حماية من د. محمد زقوت، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: كيف يمكن لمنظومة بهذا الحجم أن تستمر دون مساءلة؟ وأين تقف الجهات المسؤولة، وعلى رأسها حركة حماس، من كل ما يجري؟
الأخطر أن هذه المنظومة – وفق ما يُنقل – لا تكتفي بإدارة الملف بشكل مشوه، بل تمارس سياسة إقصاء ممنهجة لكل من يلتزم بالنزاهة. الشاب إسلام أمجد الأغا، الذي عمل في ظروف الحرب ورفض الرشاوى رغم ضغوط هائلة، تم استبعاده لصالح أسماء ترتبط بعلاقات شخصية، في مقدمتها نور انتيل (ابنة أخت نيرمين)، إضافة إلى زميلتها مها، التي تحوم حولها شبهات سابقة. هذه الوقائع تعكس نموذجاً صارخاً لكيفية تغليب الولاء الشخصي على الكفاءة، في ظل غياب أي رقابة حقيقية.
أما المرضى، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة القاسية. فبدلاً من أن يكونوا أولوية، يتحولون إلى ضحايا لعمليات ابتزاز مالي، حيث يُطلب من بعضهم دفع مبالغ مقابل تسهيل إجراءات السفر للعلاج. هذا السلوك لا يمكن فصله عن البيئة الإدارية التي تسمح به، والتي تتحمل مسؤوليتها الجهات المشرفة على الملف، وفي مقدمتها حركة حماس بوصفها السلطة الفعلية في القطاع.
وتتسع دائرة الاتهامات لتشمل استغلال النفوذ في تهريب مستلزمات طبية عبر مركبات تابعة لمنظمات دولية، وبيعها لاحقاً بأسعار مرتفعة، في مشهد يعكس استباحة واضحة لكل القوانين والأعراف الإنسانية. بل إن اختيار أسماء المرضى المرفوعة للجهات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي، لا يتم – بحسب هذه المعطيات – وفق معايير طبية عادلة، بل وفق اعتبارات شخصية ومصلحية.
إن خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في تفاصيلها، بل في دلالاتها. فحين يتحول ملف إنساني بهذا الحجم إلى أداة للفساد، فإن ذلك يعني وجود خلل بنيوي في منظومة الحكم والإدارة. وحين تغيب المحاسبة، أو يتم التغاضي عنها، فإن المسؤولية لا تعود فردية، بل تمتد لتشمل كل من يدير ويشرف ويصمت.
حركة حماس، بوصفها الجهة التي تدير قطاع غزة منذ سنوات، لا يمكنها التنصل من هذه المسؤولية. فإدارة الملفات الحيوية، وعلى رأسها الصحة، تفرض التزاماً أخلاقياً وقانونياً بضمان النزاهة والعدالة. وأي إخفاق في ذلك، خاصة إذا ترافق مع اتهامات بهذا الحجم، يضعها أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها أمام شعبها.
في المقابل، تتزايد المؤشرات على أن هذه القضية قد لا تبقى طي الكتمان طويلاً، خاصة مع الحديث عن وجود وثائق وإثباتات لدى صحفيين ينتظرون نشرها. وهو ما قد يفتح الباب أمام فضيحة واسعة النطاق، تتجاوز حدود القطاع، وتضع الجهات المسؤولة أمام مساءلة داخلية وخارجية.
أمام هذا المشهد، يصبح التحرك ضرورة لا خياراً. المطلوب تحقيق مستقل وشفاف، وإعادة هيكلة شاملة لملف التحويلات الطبية، وإبعاد كل من تحوم حوله شبهات فساد، وإعادة الاعتبار للكفاءات النزيهة. لأن بقاء الوضع على ما هو عليه لا يعني سوى شيء واحد: استمرار معاناة المرضى… وتحول الألم إلى تجارة.