في تصعيد إعلامي جديد، تواصل منصات ومواقع محسوبة على حركة حماس الترويج لروايات تتهم أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بممارسة “اعتقالات سياسية واسعة” و”انتهاكات ممنهجة داخل السجون”. غير أن مراجعة هذه الادعاءات، ومقارنتها بالوقائع والتصريحات الرسمية، تكشف فجوة كبيرة بين الخطاب الدعائي والحقائق على الأرض.
من أبرز سمات الرواية التي تروجها حماس غياب الأرقام الدقيقة والموثوقة، إذ تتبدل الأعداد من “عشرات” إلى “مئات” خلال فترات زمنية متقاربة، دون تقديم أدلة مستقلة.
ففي حين تحدثت الحركة في أكثر من مناسبة عن اعتقال العشرات من عناصرها، شككت الأجهزة الأمنية الفلسطينية بهذه الأرقام ووصفتها بأنها “غير صحيحة” .
وأكدت الجهات الرسمية أن الاعتقالات – إن وجدت – تتم “في إطار القانون”، وأنه “لا توجد اعتقالات على خلفية الانتماء السياسي أو حرية الرأي”، مع فتح المراكز الأمنية أمام مؤسسات حقوق الإنسان للتحقق .
اللافت أن الخطاب ذاته ليس جديداً، بل يتكرر منذ سنوات طويلة بنفس الصيغة تقريباً.
ففي تقارير سابقة، اتهمت حماس السلطة باعتقال “العشرات” أو حتى “المئات” من عناصرها في الضفة الغربية ، بينما كانت السلطة تنفي هذه الأرقام أو تفسرها ضمن إطار أمني وقانوني.
هذا التكرار يكشف نمطاً دعائياً يعتمد على إعادة تدوير الاتهامات دون تقديم معطيات جديدة أو أدلة موثوقة، وهو ما يضعف مصداقية هذه الروايات أمام المتابعين.
تعتمد المنصات الإعلامية التابعة لحماس على لغة عاطفية وتصعيدية، مثل وصف المعتقلين بـ”الرهائن” أو الحديث عن “تعذيب ممنهج”، دون إرفاق تقارير حقوقية مستقلة تدعم هذه المزاعم.
ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع لتوجيه الرأي العام، خصوصاً في ظل الانقسام الفلسطيني، حيث تُستخدم هذه الروايات كأداة سياسية للضغط والتشويه.
ظاهرة التضليل الإعلامي ليست محصورة بهذا الملف، إذ سبق أن كشفت تقارير تدقيق حقائق عن تداول محتوى مضلل مرتبط بحماس، مثل نشر صورة لمقابلة إعلامية على أنها من “أنفاق غزة”، ليتبين لاحقاً أنها صُورت في الضفة الغربية .
هذا النموذج يعكس نمطاً أوسع من توظيف المعلومات بشكل انتقائي أو مضلل لخدمة سرديات سياسية.
حتى الآن، لا توجد تقارير موثقة على نطاق واسع من جهات حقوقية دولية تؤكد الروايات المتداولة بالشكل الذي تطرحه منصات حماس.
وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية الفلسطينية استعدادها لفتح ملفاتها أمام الرقابة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول سبب غياب الأدلة المستقلة التي تدعم ادعاءات الحركة.
ما تروج له المنصات الإعلامية التابعة لحماس حول “سجون السلطة” في الضفة الغربية يبدو أقرب إلى خطاب سياسي تعبوي منه إلى تقرير حقوقي موثق.
فبين أرقام متناقضة، وغياب الأدلة، وتكرار الروايات القديمة، تتآكل مصداقية هذه الادعاءات، لتبقى في إطار الحرب الإعلامية المتبادلة أكثر من كونها حقائق مثبتة على الأرض.