لم تمت أم بلال لأنها كانت في ساحة معركة، ولم تُقتل لأنها حملت سلاحاً، ولم تحترق لأنها اختارت أن تكون في قلب اشتباك عسكري. أم بلال احترقت داخل خيمة. داخل خيمة لجوء، في بقعة ضيقة من الأرض، بعدما دفعتها الحرب التي أشعلتها حماس في السابع من أكتوبر إلى أن تعيش مع طفلها تحت قماش هشّ لا يرد ناراً ولا يحمي روحاً. هناك، في خيمة لا تساوي شيئاً أمام صاروخ، كتبت أم فلسطينية واحدة من أبشع الشهادات على الجريمة الكبرى التي ارتُكبت بحق غزة وأهلها، منذ أن قررت حماس أن تزجّ بالقطاع كله في أتون مغامرة دموية بلا حساب، وبلا أفق، وبلا أدنى مسؤولية تجاه البشر الذين ستُسحق أجسادهم تحت الركام.
فتحت أم بلال باب الخيمة، فلم تجد في الخارج نجاة، بل وجدت الجحيم نفسه. النيران كانت أسرع من صراخها، وأقسى من قدرتها على الهرب، وأشد إحكاماً من أي فرصة للفرار. حاصرتها ألسنة اللهب من كل الجهات، ولم يكن أمامها إلا قرار أخير: أن تموت هي، ويحيا طفلها. احتضنت رضيعها بلال بكل ما أوتيت من غريزة الأمومة، وضغطت جسدها عليه كأنها تبني من لحمها جداراً أخيراً بينه وبين الموت. استقبلت النار بصدرها، وتركتها تأكلها حيّة، لتبقي على نبض صغير يتنفس تحتها. هكذا فقط نجى بلال. نجا لأن أمه احترقت بدلاً عنه.
هذه ليست قصة عابرة من قصص الحرب، وليست مشهداً إنسانياً معزولاً يُبكى عليه ثم يُنسى. هذه شهادة دامغة على طبيعة الكارثة التي جلبتها حماس إلى غزة، حين اتخذت قرار السابع من أكتوبر كمن يشعل النار في بيت مكتظ ثم يختبئ بعيداً عن ألسنة اللهب، تاركاً النساء والأطفال والعجزة يدفعون الثمن وحدهم. ما جرى لأم بلال ليس “قدراً حربياً” كما يحاول البعض تسويقه، بل نتيجة مباشرة لمغامرة سياسية وعسكرية رعناء، لم تُحسب عواقبها، ولم يُؤمَّن للناس بعدها حدٌّ أدنى من النجاة، ولا حدٌّ أدنى من الحياة، ولا حتى حدٌّ أدنى من الكرامة.
منذ اللحظة الأولى، تصرفت حماس بمنطق العصابة لا بمنطق المسؤولية. اتخذت قرار الحرب منفردة، واحتكرت مصير أكثر من مليوني إنسان، ثم تركت هؤلاء لمصيرهم العاري أمام القصف والجوع والنزوح والحريق. لم تبنِ للناس ملاجئ، لم تُعِدّ لهم خطط حماية، لم توفّر لهم بنية نجاة، لم تترك لهم خياراً، ثم راحت تبيعهم شعارات الصمود فيما هم يُسحقون تحتها. كانت تعرف أن الرد سيكون جحيماً، لكنها لم تُعِدّ للناس إلا الخيام. والخيمة، كما أثبتت مأساة أم بلال، ليست بيتاً، بل انتظار مؤجل للموت.
أي خطاب يمكنه أن يبرر لطفل نجا لأن أمه احترقت فوقه؟ أي بلاغة سياسية تستطيع أن تشرح لرضيع، حين يكبر، لماذا عاش بجلد ممزق وأم ميتة؟ من سيخبر بلال أن أمه لم تمت فقط بنار الحريق، بل ماتت أيضاً بنار القرار الأرعن، بنار المقامرة، بنار الذين أشعلوا الكارثة ثم تركوا الأمهات يواجهن ألسنة اللهب بأجسادهن العارية؟
لقد تحولت غزة، منذ تلك الفعلة الشنيعة في السابع من أكتوبر، إلى مقبرة مفتوحة للفقراء، وإلى محرقة يومية للمدنيين، وإلى جغرافيا كاملة للخذلان. لكن الأكثر بشاعة أن من تسبب في هذا الخراب لا يزال يتحدث بلغة الانتصارات الوهمية، ويواصل تسويق الكارثة على أنها بطولة، بينما الحقيقة تُكتب كل يوم بأشلاء الأطفال، ودموع الأمهات، وصراخ الأزواج، واحتراق الخيام.
هادي، زوج أم بلال، لم يجد زوجته تحت سقف بيت، ولا على سرير مستشفى، بل وجدها جثة متفحمة فوق طفلها، بعد أن أدت دورها الأخير كأم حتى الرمق الأخير. صرخ باسمها: “يا أم بلال قومي، أنا هادي”. لكن أم بلال لم تكن نائمة لتستيقظ، كانت قد أنهت مهمتها الأخيرة ورحلت. رحلت بعدما فعلت ما لم يفعله ساسة الحرب، وما لم تفعله قيادات الشعارات، وما لم تفعله بنادق المزايدة. حمت طفلها بجسدها. بينما الذين تسببوا بكل هذا، لا يزالون يحمون أنفسهم بالشعارات.
المأساة هنا لا تكمن فقط في موت أم بلال، بل في معنى موتها. أن تموت أم فلسطينية محترقة داخل خيمة وهي تحاول حماية رضيعها، فهذه ليست فقط فاجعة إنسانية، بل إدانة سياسية وأخلاقية كاملة لمن أوصل غزة إلى هذا الدرك. إنها شهادة لا تحتاج إلى تحليل، ولا إلى لجان تحقيق، ولا إلى خطب حزبية. يكفي أن ترى أمّاً احترقت لتحيا طفلها، لتفهم حجم الجريمة التي ارتُكبت باسم “المقاومة” بينما تُرك الناس عزلًا في مهب الموت.
لقد سقطت كل الأقنعة. لم تعد القضية شعارات ولا مزايدات ولا بيانات نارية. القضية اليوم أم احترقت في خيمة. رضيع نجا بجلد ممزق. زوج انكسر وهو ينادي زوجته فلا تجيب. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: حماس لم تجرّ على غزة حرباً فقط، بل جرّت عليها خراباً أخلاقياً وإنسانياً شاملاً، دفعت ثمنه النساء بأجسادهن، والأطفال بجلودهم، والفقراء بخيامهم، والعائلات بأرواحها.
ستبقى أم بلال اسماً محفوراً في ذاكرة الوجع الفلسطيني، لا كضحية حريق فقط، بل كضحية قرار. ضحية مغامرة. ضحية قيادة اختارت أن تشعل الحرب، ولم تعرف كيف تحمي الناس من نارها. وستبقى قصتها شاهداً لا يسقط بالتقادم، على أن أكثر من احترقوا في هذه الحرب لم يكونوا المقاتلين، بل الأمهات. وأن أكثر من دفعوا ثمن السابع من أكتوبر لم يكونوا صناع القرار، بل أطفال الخيام.