في الوقت الذي يعيش فيه أهل غزة واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية والسياسية في تاريخهم المعاصر، تنشغل قيادة حركة حماس في صراعات النفوذ والتمويل وتقاسم السيطرة داخل الغرف المغلقة، بعيداً عن آلام الناس ودمائهم وخراب بيوتهم. فبدلاً من مراجعة الكارثة التي جلبتها سياسات المغامرة والارتهان للخارج، تحولت الانتخابات الداخلية السرية للحركة إلى ساحة صدام حاد بين الأجنحة المتصارعة، يتخللها شراء ولاءات وتمويل مشروط وضغوط إقليمية وصفقات خلف الكواليس.
المعركة اليوم لم تعد مع الاحتلال فقط كما تحاول الحركة تسويق خطابها، بل أصبحت معركة داخلية على “من يملك قرار حماس”، ومن يتحكم بمفاصلها السياسية والعسكرية والمالية. وبين جناح محسوب على قطر يقوده خالد مشعل، وآخر أكثر التصاقاً بالمشروع الإيراني يتزعمه خليل الحية، تتكشف صورة تنظيم أنهكته الصراعات الداخلية والتبعية للخارج والانقسامات العميقة.
بحسب تسريبات متداولة داخل أوساط الحركة، فإن الانتخابات الداخلية الأخيرة لاختيار رئيس المكتب السياسي لم تجرِ في أجواء تنظيمية نزيهة كما تحاول قيادات الحركة الترويج، بل شابتها مخالفات خطيرة وضغوط وعمليات حشد وشراء ولاءات بطرق غير قانونية، مستندة إلى النفوذ المالي والدعم الخارجي. وتحولت أصوات أعضاء الشورى والتنظيم إلى أوراق مساومة تُدار عبر التمويل والوعود والمصالح الشخصية، في مشهد يكشف حجم التآكل الأخلاقي داخل البنية القيادية للحركة.
الجناح القطري بقيادة خالد مشعل حاول استعادة السيطرة على القرار السياسي للحركة مستفيداً من علاقاته الإقليمية القديمة وشبكات التمويل والإعلام والدعم السياسي، فيما دفع جناح خليل الحية باتجاه تكريس النفوذ الإيراني داخل الحركة باعتباره الضامن لاستمرار الدعم العسكري والمالي، حتى لو كان الثمن مزيداً من الارتهان الكامل لطهران ومشاريعها في المنطقة.
هذا الصراع لم يعد خافياً على أحد. فحالة الاستقطاب داخل حماس وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة بعد الحرب الأخيرة وما خلّفته من دمار هائل وانهيار شبه كامل في غزة. قيادات الخارج تتصارع على الكراسي، بينما يعيش المواطن الفلسطيني تحت الركام والجوع والحصار وفقدان الأمان. والأسوأ أن بعض القيادات باتت تستخدم معاناة الناس كورقة ضغط داخلية لتعزيز نفوذها التنظيمي والحصول على مكاسب سياسية.
المعلومات المتداولة تشير أيضاً إلى أن بعض عمليات الحشد الانتخابي داخل الحركة تمت عبر تقديم امتيازات مالية ووظائف تنظيمية ووعود بمواقع قيادية مستقبلية، في تجاوز واضح لكل الشعارات التي لطالما رفعتها الحركة حول “النزاهة” و”الشورى” و”العمل الإسلامي النظيف”. وما يحدث فعلياً هو إعادة إنتاج لمنظومة مغلقة تحكمها الولاءات الشخصية ومراكز القوة الإقليمية، لا إرادة القواعد التنظيمية ولا مصلحة الشعب الفلسطيني.
أما الحديث عن “السرية” في هذه الانتخابات، فلم يعد مرتبطاً بالحفاظ على أمن الحركة كما تدّعي قياداتها، بل بات وسيلة لإخفاء حجم الانقسامات والتجاوزات والصفقات التي تُدار بعيداً عن أعين الجمهور الفلسطيني. فلو كانت هذه الانتخابات نزيهة وشفافة بالفعل، لماذا كل هذا التكتم؟ ولماذا كل هذه التسريبات عن التدخلات الخارجية والتمويل السياسي المشروط؟
اللافت أيضاً أن الصراع بين مشعل والحية لا يعكس مجرد خلاف شخصي، بل يعبر عن صدام مشروعين داخل الحركة: مشروع يسعى لإعادة التموضع ضمن المحور القطري التركي للحفاظ على علاقات سياسية وإعلامية أوسع، ومشروع آخر يدفع نحو مزيد من الارتماء في الحضن الإيراني باعتباره المصدر الأساسي للسلاح والدعم العسكري. وبين المشروعين تضيع القضية الفلسطينية، ويتحول القرار الوطني إلى رهينة حسابات إقليمية متناقضة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن حماس لم تعد قادرة على تقديم نموذج وطني جامع، بعدما غرقت في الحسابات التنظيمية الضيقة والصراعات الفئوية والتبعية للممول الخارجي. وما يجري اليوم داخل أروقة الحركة ليس سوى انعكاس طبيعي لأزمة عميقة تعيشها القيادة، أزمة فقدان ثقة وانهيار خطاب وتفكك داخلي يتسارع يوماً بعد يوم.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه الفلسطينيون قيادة تتحمل مسؤولياتها الوطنية والإنسانية، يجدون أنفسهم أمام مشهد عبثي تُباع فيه الولاءات وتُشترى فيه الأصوات داخل تنظيم يرفع شعارات المقاومة بينما يأكله الصراع على النفوذ والمال والسلطة.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط الانقسام داخل حماس، بل استمرار استخدام القضية الفلسطينية كغطاء لصراعات المحاور الإقليمية. فحين يصبح القرار الفلسطيني مرهوناً بالتمويل الخارجي، وتصبح الانتخابات الداخلية ساحة لتصفية الحسابات بين داعمي الحركة، فإن القضية تتحول من مشروع تحرر وطني إلى ورقة مساومة في لعبة النفوذ الإقليمي.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع الفلسطيني اليوم بمرارة: كم سيدفع أهل غزة من دمائهم وأعمارهم ثمناً لصراعات القيادات ومشاريع الخارج؟