في كل مرحلة يشتد فيها الجدل السياسي داخل الساحة الفلسطينية، تخرج علينا منصات مشبوهة وصفحات مأجورة ولجان إلكترونية منظمة لتوزيع الاتهامات الجاهزة بحق كل صوت معارض أو شخصية ترفض الانصياع لسياسات الأمر الواقع التي تفرضها حركة حركة حماس في قطاع غزة. واليوم يتعرض القيادي والمناضل الغزي زكي رشاد السكني لحملة تحريض وتشويه ممنهجة، تحاول إلصاق تهم “الداعشية” والتطرف به، في محاولة مكشوفة لإعدامه معنوياً أمام الرأي العام الفلسطيني.
هذه الحملات ليست بريئة، وليست مجرد اختلاف سياسي عابر، بل تأتي ضمن سياسة قديمة تقوم على تخوين كل معارض وتشويه كل شخصية وطنية ترفض هيمنة اللون الواحد على غزة. فبدلاً من فتح أبواب الحوار السياسي، تلجأ لجان الذباب الإلكتروني إلى أسلوب التحريض الرخيص، عبر نشر الشائعات وإعادة تدوير الروايات الأمنية والاتهامات الجاهزة، دون أي أدلة حقيقية أو وقائع موثقة.
اللافت أن زكي رشاد السكني ليس شخصية مجهولة أو طارئة على المشهد الوطني، بل هو من أبناء غزة المعروفين بتاريخهم النضالي، وقد تعرض للاعتقال والملاحقة لسنوات طويلة وسط تجاذبات سياسية معقدة. وتناولت تقارير إعلامية سابقة قضايا اعتقاله ومحاكمته في غزة، وسط بيانات واتهامات متبادلة بين أطراف فلسطينية مختلفة.
كما أن عائلته كانت قد تحدثت سابقاً عن تعرضها لملاحقات واعتقالات، وناشدت الفصائل ومؤسسات حقوق الإنسان التدخل، في مؤشر واضح على حجم التوتر السياسي الذي أحاط بالقضية منذ سنوات.
لكن الأخطر اليوم ليس فقط إعادة فتح الملفات القديمة، بل محاولة ربط الرجل بتنظيمات متطرفة مثل “داعش” دون أي سند حقيقي، وهي التهمة التي أصبحت تُستخدم كسلاح سياسي جاهز لتشويه الخصوم وتبرير التحريض ضدهم. فمن السهل على صفحات مجهولة الهوية، تعمل ضمن غرف إلكترونية منظمة، أن تطلق وسوماً وتحريضاً واتهامات، لكن الصعب هو تقديم دليل واحد يثبت هذه الادعاءات الخطيرة.
إن استخدام تهمة “الداعشية” بهذا الشكل العبثي يكشف حالة الإفلاس السياسي والأخلاقي التي وصلت إليها بعض المنصات التابعة للذباب الإلكتروني. فبدلاً من مواجهة النقد السياسي بالحجة والمنطق، يتم اللجوء إلى التخوين والتكفير والتشويه، وكأن غزة أصبحت مساحة مغلقة لا يُسمح فيها إلا بصوت واحد ورأي واحد.
المفارقة أن كثيراً من أبناء غزة باتوا يدركون جيداً طبيعة هذه اللجان الإلكترونية وآلية عملها، حيث تتحرك بشكل منظم لتوجيه الرأي العام وشيطنة كل من يعارض سياسات القمع أو ينتقد الأداء السياسي والإداري في القطاع. وقد تحولت هذه الصفحات إلى أدوات للاغتيال المعنوي أكثر من كونها منصات إعلامية حقيقية.
ومن الواضح أن استهداف شخصيات وطنية مثل زكي السكني يأتي ضمن سياسة أوسع تهدف إلى إخافة المعارضين وإرسال رسائل تهديد مبطنة لكل من يفكر برفع صوته ضد الفساد أو القمع أو التفرد بالقرار. فحين تصبح المعارضة “خيانة”، والنقد “عمالة”، والاختلاف “داعشية”، فهذا يعني أن البيئة السياسية دخلت مرحلة خطيرة من الانغلاق والاستبداد.
القضية اليوم ليست الدفاع عن شخص بعينه فقط، بل الدفاع عن حق الفلسطيني في الاختلاف السياسي دون أن يتعرض لحملات تشويه منظمة. فمن حق أي مواطن أو قيادي أو ناشط أن يعارض سياسات حركة حماس أو ينتقد أداءها دون أن يتحول إلى هدف للذباب الإلكتروني أو مادة للتحريض والتخوين.
لقد دفعت غزة ثمناً باهظاً بسبب الانقسام والصراعات الداخلية، وكان يفترض أن تتجه الجهود نحو تعزيز الوحدة الوطنية وحماية النسيج المجتمعي، لا نحو صناعة أعداء جدد داخل البيت الفلسطيني. فالتخوين المستمر وتمزيق المجتمع عبر الحملات الإلكترونية لن يبني وطناً، ولن يحرر أرضاً، بل سيعمق الكراهية والانقسام ويزيد حالة الاحتقان الشعبي.
ويبقى السؤال الأهم: إلى متى ستستمر سياسة شيطنة كل معارض؟ وإلى متى ستظل بعض المنصات الإعلامية واللجان الإلكترونية تعمل كأدوات قمع معنوي ضد أبناء غزة أنفسهم؟
إن التاريخ لا يرحم، والشعوب تدرك جيداً الفرق بين المناضل الحقيقي وبين من يحاول اغتيال خصومه عبر الشاشات الوهمية والحسابات المجهولة.