لم تعد حملات التشويه الإلكترونية التي تقودها حسابات مشبوهة ولجان الذباب الإلكتروني التابعة لحركة حماس تستهدف الخصوم السياسيين فقط، بل باتت تعتمد على صناعة الأكاذيب وفبركة المنشورات واختلاق “التهديدات” لإثارة الفتن داخل الساحة الفلسطينية، وهذه المرة كان الهدف هو رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمد اشتية، عبر منشورات مفبركة تحمل عناوين مثيرة من نوع: “قيادي فتحاوي يتلقى تهديداً من محمد اشتية: احذف المنشور وإلا…”.
هذه الأساليب الرخيصة لم تعد خافية على أحد، فالجميع بات يدرك أن هناك ماكينة إلكترونية منظمة تعمل ليل نهار لتشويه كل شخصية وطنية ترفض الخضوع لهيمنة حماس أو تنتقد سياساتها الكارثية التي دفعت غزة إلى واحدة من أسوأ المآسي في تاريخها الحديث. واللافت أن تلك الحسابات لا تقدم أي دليل حقيقي أو وثيقة موثوقة، بل تعتمد على صور مفبركة، وتصميمات بدائية، ولغة تحريضية هدفها خلق حالة من الفوضى والانقسام داخل المجتمع الفلسطيني.
إن استهداف محمد اشتية ليس حدثاً معزولاً، بل يأتي ضمن حملة ممنهجة ضد قيادات حركة فتح وكل الأصوات التي تنتقد أداء حماس أو تكشف حجم الكارثة التي أوصلت إليها القطاع. وقد سبق لاشتية أن أدلى بتصريحات اعتبر فيها أن حسابات السابع من أكتوبر “لم تكن صحيحة”، منتقداً غياب التقدير السياسي والإنساني لما جرى في غزة. ومنذ تلك التصريحات، تصاعدت الهجمات الإلكترونية ضده بشكل ملحوظ، في محاولة لإسكات أي صوت يطرح مراجعة سياسية أو يرفض منطق المغامرات غير المحسوبة.
ولأن هذه اللجان الإلكترونية تعيش على بث الكراهية والتحريض، فإنها تلجأ باستمرار إلى أسلوب “المنشور المفبرك”، وهو أسلوب بات معروفاً في حروب الدعاية الرقمية. حتى تقارير ودراسات أكاديمية تناولت انتشار الأخبار المفبركة باللغة العربية وآليات استخدامها في التأثير السياسي والاجتماعي. كما أن ظاهرة الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني أصبحت جزءاً من الحروب النفسية الحديثة التي تستهدف تشكيل الرأي العام عبر الأكاذيب والتضليل.
الخطير في الأمر أن هذه الحملات لا تكتفي بالتشهير، بل تحاول زرع الشك داخل البيت الفلسطيني، عبر اختلاق قصص عن تهديدات وصراعات داخلية وهمية، بهدف دفع الناس نحو مزيد من الانقسام والكراهية. إنها سياسة تقوم على مبدأ: “اكذب ثم اكذب حتى يصدق البعض”، بينما الحقيقة أن الشعب الفلسطيني بات أكثر وعياً من أن تنطلي عليه هذه المسرحيات الإلكترونية الرخيصة.
وفي الوقت الذي يعيش فيه أهل غزة أوضاعاً إنسانية مأساوية، كان الأولى بهذه الجيوش الإلكترونية أن تنشغل بالدفاع عن الناس المكلومين، لا بتلفيق المنشورات وتوجيه الشتائم وتخوين كل مخالف. لكن يبدو أن بعض الجهات وجدت في الفوضى الإلكترونية وسيلة للهروب من المساءلة الشعبية عن الفشل السياسي والإداري والإنساني الذي تعيشه غزة منذ سنوات.
إن الحملات التي تستهدف محمد اشتية أو غيره من الشخصيات الوطنية لن تنجح في تغيير الحقائق على الأرض، ولن تمحو حقيقة أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى خطاب وطني جامع، لا إلى جيوش إلكترونية تتغذى على الفتن والتخوين. فالمعركة الحقيقية ليست بين أبناء الشعب الواحد، بل ضد الاحتلال وكل من يسعى إلى تمزيق الصف الفلسطيني وتحويل الساحة الوطنية إلى حلبة تصفية حسابات داخلية.
لقد آن الأوان لكشف هذه الحسابات المشبوهة وفضح الجهات التي تديرها، لأن استمرار هذا الانحدار الأخلاقي والإعلامي يشكل خطراً حقيقياً على النسيج الوطني الفلسطيني، ويخدم أعداء القضية أكثر مما يخدم أي مشروع سياسي. والتاريخ لن يرحم كل من حوّل الإعلام ومنصات التواصل إلى أدوات للابتزاز والتحريض والتزوير بدل أن تكون منابر للحقيقة والدفاع عن معاناة الناس.