في كل محطة مفصلية تمر بها القضية الفلسطينية، تخرج علينا منصات مشبوهة وصفحات مأجورة ولجان إلكترونية منظمة، لتشن حملات تضليل وتحريض تستهدف الوعي الفلسطيني قبل أن تستهدف أي فصيل أو قيادة. واليوم، ومع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح، تتكرر ذات الأسطوانة السوداء عبر أكاذيب مفبركة تزعم أن “مسودة البرنامج السياسي الجديد تسقط المقاومة الشعبية”، في محاولة مكشوفة لضرب المؤتمر وتشويه مخرجاته قبل انعقاده.
المؤتمر الثامن لحركة فتح، المقرر عقده في مايو 2026، يُنظر إليه كواحد من أهم المحطات التنظيمية والسياسية في تاريخ الحركة، في ظل ظروف فلسطينية وإقليمية شديدة التعقيد. تقارير متعددة تحدثت عن أن المؤتمر سيبحث مستقبل المشروع الوطني وتجديد البنية القيادية للحركة ومراجعة البرنامج السياسي والتنظيمي. لكن بدلاً من انتظار ما سيصدر رسمياً، سارعت منصات محسوبة على أجندات معروفة إلى اختلاق “تسريبات” و”وثائق مزعومة” و”تصريحات منسوبة لقيادات فتحاوية” بهدف إثارة الفوضى الداخلية وخلق حالة من الشك والانقسام.
هذه الحملة ليست بريئة، وليست مجرد “اختلاف سياسي” كما يحاول البعض تصويرها، بل هي جزء من ماكينة دعائية تعتمد على التضليل الإعلامي والذباب الإلكتروني لتشويه الخصوم وإرباك الساحة الفلسطينية. فحين تعجز بعض الجهات عن المنافسة سياسياً أو تنظيمياً، تلجأ إلى الأكاذيب، وتستثمر في الفوضى الرقمية، وتضخ روايات ملفقة عبر حسابات وهمية ومواقع تفتقر لأبسط معايير المهنية.
الأخطر في هذه الحملة أنها تحاول اللعب على وتر “المقاومة”، وكأن حركة فتح كانت يوماً خارج معادلة النضال الوطني أو بعيدة عن تاريخ المقاومة الشعبية الفلسطينية. فالحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، لا تحتاج شهادة وطنية من صفحات إلكترونية مجهولة الهوية تموَّل وتدار من غرف التحريض السوداء.
الهدف الحقيقي من هذه الأكاذيب هو ضرب أي محاولة فتحاوية لاستعادة المبادرة السياسية والتنظيمية، لأن انعقاد المؤتمر الثامن بحد ذاته يمثل رسالة قوة وتجديد داخل الحركة، ورسالة بأن فتح لا تزال قادرة على إعادة ترتيب بيتها الداخلي رغم كل الظروف. تقارير صحفية تحدثت بالفعل عن أن المؤتمر يشكل “اختباراً للتجديد ومصير المشروع السياسي”، وأنه محطة لإعادة تقييم المشروع الوطني الفلسطيني وتطوير أدوات المواجهة السياسية والشعبية.
لكن الذباب الإلكتروني لا يريد نقاشاً سياسياً حقيقياً، بل يريد الفوضى والتشكيك والتحريض. ولذلك نرى نفس الحسابات التي دافعت سابقاً عن الانقسام، وهاجمت كل الأصوات الوطنية المستقلة، تعود اليوم لتشن هجوماً منسقاً ضد مؤتمر فتح الثامن، مستخدمة لغة التخوين والتشويه والتلفيق.
ولأن هذه اللجان تعتمد على سرعة الانتشار أكثر من الحقيقة، فهي تدرك أن كثيرين قد يقرأون العنوان الكاذب دون أن يتحققوا من المصدر. لذلك يتم تصنيع أخبار من نوع: “فتح تتخلى عن المقاومة الشعبية”، أو “مسودة البرنامج السياسي الجديد تنسف الثوابت”، بينما لا يوجد أي إعلان رسمي يدعم هذه الادعاءات، بل إن النقاشات المطروحة داخل الحركة تدور حول تطوير أدوات العمل الوطني بما يخدم صمود الشعب الفلسطيني ومواجهة المخططات الإسرائيلية المتصاعدة.
إن الحرب الرقمية التي تُشن اليوم ضد المؤتمر الثامن ليست منفصلة عن حالة الاستقطاب الفلسطينية، لكنها تكشف أيضاً حجم الخوف من أي حالة نهوض وطني أو إصلاح تنظيمي داخل حركة فتح. فهناك من اعتاد الاستثمار في ضعف الحركة وانشغالاتها الداخلية، ويرى في أي محاولة لترتيب الصف الفتحاوي تهديداً مباشراً لمصالحه ونفوذه الإعلامي والسياسي.
كما أن هذه الحملات تكشف كيف أصبحت بعض المنصات الإلكترونية أدوات تعبئة وتحريض لا تختلف كثيراً عن غرف العمليات السياسية. دراسات حديثة حول الخطاب المتطرف والتضليل على وسائل التواصل الاجتماعي أشارت إلى أن عدداً محدوداً من الحسابات والمنصات قادر على توجيه الرأي العام وصناعة موجات تحريض واسعة عبر إعادة التكرار والتضخيم المنظم للمحتوى المضلل.
المطلوب اليوم من الفلسطينيين، وخاصة أبناء حركة فتح، ألا يقعوا في فخ الروايات المفبركة، وألا يمنحوا الذباب الإلكتروني فرصة لاختطاف النقاش الوطني. فالاختلاف السياسي حق مشروع، والنقد الداخلي ضرورة لأي حركة تحرر، لكن الفبركة والتحريض وتشويه الحقائق ليست عملاً وطنياً، بل خدمة مجانية لأعداء القضية الفلسطينية.
سيبقى المؤتمر الثامن لحركة فتح محطة وطنية مهمة مهما حاولت حملات التشويه التقليل من شأنه. وستبقى الحقيقة أقوى من آلاف الحسابات الوهمية، لأن الحركات الوطنية تُقاس بتاريخها ونضالها وتضحياتها، لا بما تنشره منصات مجهولة تعيش على الكذب والتضليل.