شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 18 مايو 2026

بين التخوين والاستعطاف.. كيف سقط خطاب حركة حماس في مستنقع التناقض؟

بين التخوين والاستعطاف.. كيف سقط خطاب حركة حماس في مستنقع التناقض؟

منذ سنوات طويلة، تعيش الساحة الفلسطينية حالة من الفوضى السياسية والإعلامية التي ساهمت حركة حماس بشكل مباشر في تعميقها، ليس فقط عبر الانقسام الجغرافي والسياسي، بل أيضًا من خلال خطاب متناقض ومضطرب يتبدل وفق المصلحة والظرف والضغط الشعبي. فتارةً تخرج أبواق الحركة ومنصاتها الإعلامية بخطاب تخوين وتكفير وتحريض ضد كل من يختلف معها، وتارةً أخرى ترتدي ثوب الأخوة والوحدة الوطنية والحديث العاطفي عن “الشعب الواحد والمصير المشترك”، وكأن الذاكرة الفلسطينية قصيرة إلى هذا الحد.

هذا التناقض لم يعد مجرد اختلاف في اللغة السياسية، بل أصبح نهجًا ثابتًا يكشف أزمة عميقة داخل بنية الحركة الفكرية والتنظيمية. فمن غير المنطقي أن تصف خصومك السياسيين بالخونة والعملاء والمنبطحين ليل نهار، ثم تعود لتطالبهم بالشراكة الوطنية حين تضيق بك الأزمات أو تتعرض لضغط سياسي وشعبي أو إقليمي.

لقد حولت حماس خطابها الإعلامي إلى سلاح مزدوج؛ تستخدمه للتحريض عندما تريد السيطرة على الشارع، ثم تستخدم لغة المصالحة عندما تشعر بالعزلة. وهذا ما جعل كثيرًا من الفلسطينيين يفقدون الثقة بالمواقف المعلنة للحركة، لأن الخطاب لم يعد يعبر عن مبادئ ثابتة، بل عن تكتيكات مؤقتة مرتبطة بحسابات النفوذ والسلطة.

المتابع للمشهد الفلسطيني يلاحظ بوضوح أن لجان الذباب الإلكتروني التابعة لحماس تمارس حملات قاسية من الشتائم والتخوين ضد قيادات وطنية وصحفيين ونشطاء وحتى مواطنين عاديين لمجرد إبداء رأي مخالف. يتم استخدام مفردات خطيرة تمس الوطنية والدين والشرف السياسي، ويتم خلق حالة من الكراهية والانقسام داخل المجتمع الفلسطيني، ثم بعد ذلك تخرج قيادات الحركة بخطابات تتحدث عن الوحدة الوطنية ورفض الانقسام وكأن شيئًا لم يكن.

الأخطر من ذلك أن بعض المنابر المحسوبة على الحركة لا تتردد في استخدام لغة التكفير السياسي والديني بشكل غير مباشر، عبر تصوير كل معارض وكأنه متآمر على “المقاومة”، أو خادم لأجندات خارجية، في محاولة لإسكات أي صوت نقدي. وهذه اللغة ليست فقط مرفوضة أخلاقيًا ووطنيًا، بل تشكل خطرًا حقيقيًا على النسيج الفلسطيني، لأنها تنقل الخلاف السياسي من مساحة الحوار إلى مساحة التحريض والكراهية.

وفي المقابل، عندما تحتاج الحركة إلى تهدئة داخلية أو إلى إعادة ترميم صورتها أمام الرأي العام، تنقلب اللغة فجأة إلى خطاب عاطفي مفعم بالمفردات الأخوية والوطنية، ويتم الحديث عن “الشراكة” و”وحدة الدم” و”البيت الفلسطيني الواحد”. هذا التحول السريع يكشف أن المسألة ليست قناعة حقيقية، بل إدارة إعلامية للأزمات وفق الحاجة السياسية.

إن المشكلة الأساسية ليست في وجود خلافات سياسية، فالخلاف جزء طبيعي من أي حالة وطنية، لكن الكارثة تكمن في تحويل الخطاب الوطني إلى أداة ابتزاز وتحريض، ثم المطالبة لاحقًا بثقة الشارع نفسه الذي تعرض للتعبئة والتسميم الإعلامي. فلا يمكن بناء وحدة وطنية حقيقية على قاعدة التخوين، ولا يمكن الحديث عن شراكة بينما تستمر حملات التشهير والتحريض ضد كل مخالف.

لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمنًا باهظًا بسبب هذا الخطاب المتقلب، الذي ساهم في تعميق الانقسام وإضعاف الجبهة الداخلية وتشويه صورة النضال الفلسطيني أمام العالم. فالشعوب لا تحترم الحركات التي تتغير لغتها ومواقفها وفق الحسابات الآنية، بل تحترم من يلتزم بخطاب وطني ثابت ومسؤول، حتى في لحظات الخلاف.

كما أن هذا التناقض خلق حالة من الإرباك داخل الشارع الفلسطيني نفسه، خاصة لدى فئة الشباب، الذين باتوا يشاهدون يوميًا انتقال بعض المنصات من أقصى درجات التحريض إلى أقصى درجات المجاملة السياسية خلال ساعات قليلة فقط، دون أي مراجعة أو اعتذار أو تفسير. وهذا يعكس أزمة مصداقية حقيقية لا يمكن تجاهلها.

إن الوطنية لا تُقاس بحدة الشعارات ولا بكثرة الاتهامات، بل بمدى احترام التعددية السياسية وحماية النسيج الوطني من الانهيار. أما تحويل كل خلاف إلى معركة تخوين، ثم العودة لاحقًا للحديث عن الأخوة والوحدة، فهو سلوك سياسي يفتقد للثبات والمسؤولية، ويؤكد أن الخطاب يُدار بمنطق المصلحة لا بمنطق المبادئ.

وفي ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات خطيرة، فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من الشعارات العاطفية، بل مراجعة حقيقية لخطاب التحريض والانقسام، والتوقف عن استخدام الدين والوطنية كسلاح ضد الخصوم السياسيين. فالقضية الفلسطينية أكبر من الحسابات الفصائلية، وأخطر من أن تُترك رهينة لمنطق التخوين والتقلب الإعلامي.

لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن الشعب الفلسطيني أصبح أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الموسمي، وأن لغة الكراهية مهما ارتفعت لن تستطيع أن تبني مشروعًا وطنيًا محترمًا أو مستقبلًا سياسيًا مستقرًا. فالوطن لا يُدار بالشعارات المتناقضة، بل بالمصداقية والثبات واحترام عقول الناس.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.