في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أسرع من الرصاصة، لم يعد الخطر فقط في الأخبار الكاذبة، بل في أولئك الذين يتخفّون خلف أسماء مستعارة وصفحات إلكترونية مشبوهة ليمارسوا التحريض والتشهير والابتزاز المعنوي بحق الناس دون أي مسؤولية أخلاقية أو مهنية. ويبرز اسم “أبو أحمد سمور” — كما يصفه منتقدوه — ضمن هذا النموذج الذي يعتمد على الضجيج بدل الحجة، وعلى التخوين بدل النقاش، وعلى الشتائم والعبارات النابية بدل أي خطاب يحترم عقول المتابعين. فالمتابع لطريقة طرحه يلاحظ سريعًا أن الهدف لا يبدو تقديم رأي أو معالجة قضية، بل صناعة حالة من الفوضى اللفظية والتجييش الرخيص القائم على الإساءة الشخصية وتوزيع الاتهامات يمينًا ويسارًا. الخطير في هذا النوع من الخطاب ليس فقط انحداره الأخلاقي، بل محاولته المستمرة تسميم الوعي العام، عبر تصوير كل مخالف بأنه “خائن” أو “عميل” أو “فاسد”، دون أدلة أو معايير مهنية أو حتى احترام لأبسط قواعد الحوار. إنها عقلية تقوم على الاغتيال المعنوي لا على النقاش، وعلى تصفية الحسابات لا على البحث عن الحقيقة. كما أن التخفي خلف الحسابات الوهمية والصفحات غير الواضحة التمويل والانتماء يطرح علامات استفهام كبيرة: لماذا يهرب أصحاب هذا الخطاب من الظهور الواضح والمسؤول؟ ولماذا يعتمدون على الأسماء المستعارة إذا كانوا يملكون فعلًا ما يدّعون أنه “حقائق”؟ الحقيقة الواضحة أن من يثق بما يقول لا يحتاج إلى الاختباء خلف شاشة سوداء أو حساب مجهول. المجتمعات لا تُبنى بالسباب، والقضايا الوطنية لا تُخدم بالتحريض، والناس سئمت من الأصوات التي تتقن الصراخ أكثر مما تتقن التفكير. فحرية التعبير لا تعني حرية الإساءة، والنقد لا يعني الانحدار إلى مستنقع الألفاظ السوقية والتخوين المجاني. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ساحة إعلامية هو تحوّل بعض المنصات إلى “مجارير إلكترونية” تُدار بالعصبية والكراهية بدل المهنية والعقل. ولذلك، فإن مواجهة هذا النوع من الخطاب لا تكون بالصمت، بل بكشف أساليبه ورفض تحويل الفضاء العام إلى حلبة للشتائم والابتزاز المعنوي. ويبقى السؤال الأهم: إلى متى سيستمر البعض في استغلال قضايا الناس وآلامهم لتحقيق حضور إلكتروني قائم على الإثارة الرخيصة واللغة المنفلتة؟