شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 18 مايو 2026

الذباب الإلكتروني لحماس.. ماكينة الشائعات وتصفية الخصوم معنويًا

الذباب الإلكتروني لحماس.. ماكينة الشائعات وتصفية الخصوم معنويًا

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحةً للحروب النفسية والسياسية، لم تعد المعارك تُخاض فقط بالسلاح أو عبر المنابر التقليدية، بل باتت تُدار خلف الشاشات، من خلال جيوش إلكترونية منظمة تتقن صناعة الأكاذيب، وفبركة الروايات، وتشويه الخصوم بطريقة ممنهجة ومدروسة. وفي الحالة الفلسطينية، برز ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني” التابع لحركة حماس كلجنة إعلامية غير معلنة، تمارس دورًا خطيرًا في التحريض، والتخوين، واغتيال الشخصيات الوطنية والمعارضة.

هذه الحسابات الوهمية والمواقع المشبوهة لم تعد مجرد أدوات لنشر الأخبار أو الدفاع السياسي، بل تحولت إلى منصات منظمة لتلفيق التهم، واختراع القصص، وبث الشائعات ضد كل من يجرؤ على انتقاد سياسات حماس أو كشف تناقضاتها وأخطائها. فمن يعارض الحركة أو ينتقد أداءها، يجد نفسه فورًا هدفًا لحملات إلكترونية شرسة، تبدأ بالتشويه وتنتهي بالتخوين وربما التكفير أحيانًا.

الخطير في الأمر أن هذه الحملات لا تعتمد على الحقائق أو النقاش السياسي، بل تقوم على أساليب قذرة تُدار بعقلية المليشيا الإعلامية، حيث يتم اجتزاء التصريحات، وتحريف المواقف، واستخدام الحسابات الوهمية لإيهام المتابعين بوجود “رأي عام” غاضب ضد هذا الشخص أو ذاك. إنها محاولة مكشوفة لصناعة واقع افتراضي مزيف يخدم أجندة الحركة ويقمع أي صوت مخالف.

وقد شهدت الساحة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة عشرات الحملات الإلكترونية التي استهدفت صحفيين، وكتابًا، ونشطاء، وحتى شخصيات وطنية وتاريخية، فقط لأنهم رفضوا الخضوع لخطاب حماس أو كشفوا فشلها السياسي والإداري. هؤلاء تعرضوا لكمٍ هائل من الشتائم والاتهامات الجاهزة: “عميل”، “خائن”، “مأجور”، “يتبع للاحتلال”، وهي مفردات أصبحت جزءًا من القاموس الثابت للذباب الإلكتروني الحمساوي.

ولعل الأخطر من ذلك أن هذه اللجان الإلكترونية لا تعمل بشكل عشوائي، بل يبدو واضحًا أنها تتحرك وفق توجيهات منظمة، وبخطاب موحد، وتوقيت متزامن، ما يكشف وجود غرفة عمليات إعلامية تُدير هذه الحملات وتحدد أهدافها بدقة. فعندما ترغب الحركة في إسكات صوت معارض، تنطلق عشرات الصفحات والحسابات في اللحظة ذاتها، بنفس اللغة ونفس الاتهامات، وكأن الجميع يقرأ من ورقة واحدة.

هذا السلوك لا يعكس ثقة بالنفس أو قوة سياسية، بل يكشف حالة من الخوف والارتباك أمام أي رأي مختلف. فالحركات الوطنية الحقيقية تواجه النقد بالحوار، وترد على الاتهامات بالحقائق، لا عبر الجيوش الإلكترونية والشتائم المنظمة. أما تحويل الإعلام إلى أداة ترهيب معنوي، فهو سلوك يضر بالقضية الفلسطينية أكثر مما يخدمها.

إن استخدام الشائعات كسلاح سياسي أدى إلى تسميم الحياة الوطنية الفلسطينية، وزاد من حالة الانقسام والكراهية داخل المجتمع. فبدل أن تُوجَّه الجهود نحو مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية، يتم استنزاف الطاقات في معارك داخلية عبثية، تُدار من خلف حسابات وهمية وصفحات مأجورة لا همّ لها سوى نشر الفتنة والتحريض.

كما أن انتشار هذه الحملات أضعف ثقة الناس بالإعلام الفلسطيني، بعدما أصبحت بعض المنصات تُستخدم لنشر الأكاذيب بدل نقل الحقيقة. فالمتابع الفلسطيني بات يدرك أن كثيرًا مما يُنشر ليس سوى جزء من حرب دعائية هدفها تصفية الحسابات السياسية، وليس خدمة الحقيقة أو المصلحة الوطنية.

إن أخطر ما يفعله الذباب الإلكتروني التابع لحماس ليس فقط نشر الشائعات، بل محاولة اغتيال الوعي الفلسطيني، عبر خلق بيئة من التخوين الدائم، بحيث يصبح أي رأي مخالف “خيانة”، وأي نقد “تآمرًا”، وأي معارضة “عمالة”. وهي سياسة خطيرة تدمر أسس العمل الوطني والديمقراطي، وتحول الساحة الفلسطينية إلى ساحة خوف وصمت بدل أن تكون مساحة حوار وتعددية.

وفي النهاية، فإن الشعب الفلسطيني الذي قدّم التضحيات الجسام من أجل الحرية والكرامة، يدرك جيدًا الفرق بين الإعلام الحر وبين اللجان الإلكترونية التي تتغذى على الفبركة والتحريض. فالحقيقة لا يمكن دفنها تحت ركام الحسابات الوهمية، والوعي الوطني الحقيقي أقوى من كل حملات التشويه المنظمة.

ستبقى الكلمة الحرة أقوى من الذباب الإلكتروني، وستبقى الحقيقة أصدق من آلاف الشائعات، مهما ارتفعت أصوات المحرضين خلف الشاشات السوداء.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.