في كل محطة سياسية فلسطينية تعود ماكينة التحريض الإلكترونية التابعة لحركة حركة حماس للعمل بكامل طاقتها، ليس في مواجهة الاحتلال، بل في مواجهة الفلسطيني المختلف معها سياسيًا أو فكريًا. وما جرى عقب مشاركة عدد من النشطاء والإعلاميين الشباب من قطاع غزة في المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح يكشف مرة جديدة طبيعة الخطاب الذي تديره لجان الذباب الإلكتروني التابعة لحماس، والقائم على التشويه والتخوين والتزوير بدل النقاش السياسي الحقيقي.
فمنذ انتهاء المؤتمر، شنت صفحات وحسابات مرتبطة بلجان إلكترونية محسوبة على حماس حملة منظمة ضد مجموعة من النشطاء الفلسطينيين، فقط لأنهم شاركوا في الحدث أو عبّروا عن قناعاتهم السياسية بشكل علني. وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة للشتائم والسخرية والتشهير، في مشهد يعكس حالة الإفلاس السياسي والأخلاقي التي وصلت إليها هذه الحملات.
اللافت في هذه الهجمة أنها اعتمدت على الأكاذيب الصريحة ومحاولة تضليل الرأي العام، إذ روّجت تلك الصفحات أن شخصيات مثل الصحفي والناشط الفلسطيني معتز عزايزة والناشطة شهد الشرفا والناشط أمجد أبو كرش “ترشحوا وفشلوا” في المؤتمر، رغم أن الحقيقة الواضحة أن هؤلاء لم يترشحوا أساسًا لأي موقع انتخابي داخل المؤتمر، ولم يخوضوا أي منافسة تنظيمية من الأصل.
لكن ماكينة التضليل لا تهتم بالحقيقة، بقدر اهتمامها بصناعة رواية هجومية تستهدف كل من يخرج عن الخطاب الذي تفرضه حماس على الفضاء العام في غزة. فالمطلوب من الجميع، وفق عقلية هذه اللجان، إما الصمت الكامل أو الاصطفاف خلف خطاب الحركة دون نقاش أو اختلاف. أما من يملك رأيًا مختلفًا أو يحاول بناء مساحة وطنية مستقلة، فيتحول فورًا إلى هدف لحملات التشويه والاغتيال المعنوي.
أما الناشط الشاب محمد منذر البطة، فقد كان الوحيد من بين الأسماء المتداولة الذي خاض التجربة الانتخابية فعلًا، لكنه دخلها بخطاب مختلف تمامًا عن الصورة التي حاولت اللجان الإلكترونية تشويهها. فمنذ اللحظة الأولى أعلن أن هدف ترشحه يتمثل في تأكيد حضور الشباب الفلسطيني داخل الأطر الوطنية، والدفع باتجاه ضخ دماء جديدة وإعطاء مساحة أكبر للجيل الشاب للمشاركة السياسية وصناعة القرار.
وقد حقق البطة حضورًا لافتًا وحصل على عدد مرتفع من الأصوات، بما يعكس وجود تيار شبابي فلسطيني يريد المشاركة والتغيير والانخراط في العمل الوطني بعيدًا عن عقلية الإقصاء والتخوين. لكن حتى هذا الحضور لم يسلم من الهجوم، لأن المشكلة الحقيقية لدى لجان التحريض ليست في عدد الأصوات، بل في فكرة وجود شباب مستقلين يمتلكون الجرأة على التعبير والمشاركة.
إن أخطر ما تمارسه لجان الذباب الإلكتروني التابعة لحماس ليس فقط نشر الأكاذيب، بل خلق مناخ عام من الترهيب النفسي والسياسي داخل المجتمع الفلسطيني، وخصوصًا في قطاع غزة. فهذه الحملات تحاول إرسال رسالة واضحة لكل شاب فلسطيني مفادها: “إياك أن تفكر خارج الإطار الذي نحدده لك، وإلا ستتعرض للتشهير والتخوين والتحريض”.
وهذا السلوك لا يمت بصلة لأي ممارسة سياسية ديمقراطية أو وطنية، بل يعكس عقلية احتكارية ترى في كل رأي مختلف تهديدًا يجب سحقه. فبدل أن تنشغل هذه اللجان بالدفاع عن الشعب الفلسطيني في مواجهة الجرائم الإسرائيلية، تتحول طاقاتها نحو مطاردة الصحفيين والنشطاء والشباب الفلسطيني على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن هذه الحملات تكشف حجم التناقض داخل خطاب حماس نفسها. فهي تتحدث صباحًا عن “الوحدة الوطنية” و”الشراكة”، ثم تسمح مساءً لجيوشها الإلكترونية بإطلاق حملات تخوين وإهانات بحق أي شخصية فلسطينية لا تدور في فلكها السياسي. وهذا التناقض بات مكشوفًا أمام الشارع الفلسطيني الذي أصبح أكثر وعيًا بطرق إدارة الرأي العام عبر الحسابات الوهمية والصفحات الممولة وخطاب الكراهية المنظم.
إن مشاركة الشباب الفلسطيني في الحياة السياسية ليست جريمة، والانفتاح على العمل الوطني حق مشروع، والتعبير عن الموقف السياسي لا يبرر حملات التشهير. وما يحتاجه الفلسطينيون اليوم هو مساحة للحوار والتعددية واحترام الاختلاف، لا مزيد من التحريض والانقسام والاغتيال المعنوي.
وفي النهاية، فإن الهجوم المنظم على نشطاء غزة لن ينجح في إسكات الأصوات الشابة أو منعها من الانخراط في العمل الوطني. فجيل الشباب الفلسطيني اليوم أكثر إدراكًا لمحاولات التلاعب الإعلامي، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد السياسي الحقيقي وبين حملات الذباب الإلكتروني التي تحركها الحسابات الحزبية الضيقة. وما جرى بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس سوى نموذج جديد لمعركة الوعي داخل الساحة الفلسطينية، بين من يريد فتح المجال أمام التعددية والمشاركة، وبين من يسعى إلى احتكار الحقيقة وإخضاع الجميع لمنطق التخوين والإقصاء.