منذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات الاعتقال بحق Benjamin Netanyahu ومسؤولين إسرائيليين على خلفية الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، حاولت الحكومة الإسرائيلية وحلفاؤها تصوير الأمر وكأنه أزمة سياسية عابرة مرتبطة بظروف الحرب الحالية، يمكن احتواؤها مع وقف إطلاق النار أو انتهاء العمليات العسكرية. لكن الحقيقة الأعمق والأخطر تكمن في أن المعركة القانونية الدولية لم تعد تتعلق فقط بجرائم الحرب المرتبطة بحدث مؤقت، بل انتقلت إلى جوهر المشروع الاحتلالي نفسه، وإلى البنية العقائدية والسياسية التي يمثلها وزراء أمثال Bezalel Smotrich، القائمين على مشروع الاستيطان والفصل العنصري والضم الزاحف للأرض الفلسطينية.
إن مذكرات الاعتقال المرتبطة بالحرب على غزة، رغم خطورتها، تبقى مرتبطة زمنياً بسلوك عسكري يمكن نظرياً أن يتوقف مع توقف الحرب أو تغير الظروف الميدانية. أما الملاحقات المرتبطة بالاستيطان والفصل العنصري، فهي مختلفة جذرياً؛ لأنها تستهدف بنية دائمة ومنهجاً قائماً منذ عقود، وتعتبر أن الجريمة ليست حادثة طارئة بل نظاماً كاملاً يقوم على السيطرة والتمييز والإقصاء وسرقة الأرض الفلسطينية.
هنا تكمن خطورة ملف سموتريتش ومن يمثلهم داخل الحكومة الإسرائيلية. فالرجل لا يخفي مشروعه السياسي، بل يعلنه بوضوح كامل: توسيع الاستيطان، شرعنة البؤر العشوائية، خنق السلطة الوطنية الفلسطينية مالياً وسياسياً، وفرض وقائع تجعل إقامة الدولة الفلسطينية مستحيلة. هذا ليس مجرد خطاب متطرف للاستهلاك الداخلي، بل سياسة رسمية تتجسد يومياً في الضفة الغربية عبر مصادرة الأراضي، وتقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية، وفرض نظام قانوني مزدوج يميز بين المستوطن اليهودي والفلسطيني صاحب الأرض.
ولذلك فإن أي ملاحقة قانونية دولية لسموتريتش لا تتعلق بشخصه فقط، بل بالمشروع الذي يقوده. وإذا ما ثبت قانونياً أن الاستيطان يشكل جريمة مستمرة ضد الإنسانية أو شكلاً من أشكال الفصل العنصري، فإن كل حكومة إسرائيلية قادمة ستجد نفسها تلقائياً أمام ذات الاتهامات، ما دامت تحافظ على نفس المنظومة وتواصل إدارة الاحتلال بالطريقة نفسها.
وهنا يتجلى التحول التاريخي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: لم تعد إسرائيل تواجه فقط انتقادات سياسية أو إدانات أخلاقية، بل بدأت تواجه خطراً حقيقياً يتعلق بشرعية بنيتها القانونية والسياسية أمام العالم. فالاستيطان لم يعد يُنظر إليه كـ”نزاع على أراضٍ متنازع عليها” وفق الرواية الإسرائيلية التقليدية، وإنما كنظام استعماري متكامل يخالف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف.
لهذا السبب ترتبك إسرائيل بشدة أمام التحركات الفلسطينية القانونية والدبلوماسية، لأنها تدرك أن الخطر الحقيقي ليس في صورة نتنياهو أمام المحكمة، بل في تحويل الاحتلال نفسه إلى عبء قانوني عالمي دائم. فحين تصبح البنية الاستيطانية موضع اتهام دولي، فإن الأمر يتجاوز الأشخاص والحكومات، ويصل إلى أساس المشروع الصهيوني القائم على التوسع والسيطرة بالقوة.
وفي هذا السياق يظهر الدور المركزي للسلطة الوطنية الفلسطينية، التي خاضت خلال السنوات الماضية معارك قانونية ودبلوماسية طويلة داخل المؤسسات الدولية، بدءاً من الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وصولاً إلى مراكمة الملفات القانونية المتعلقة بالاستيطان وجرائم الاحتلال. فرغم كل حملات التشويه والهجوم السياسي والإعلامي ضد السلطة، إلا أن هذه المعركة القانونية لم تكن لتتحقق دون وجود كيان سياسي فلسطيني معترف به دولياً يمتلك القدرة على التحرك داخل الأمم المتحدة والمحاكم الدولية.
إن السلطة الوطنية الفلسطينية لا تخوض فقط معركة سياسية تقليدية، بل معركة تثبيت الرواية الفلسطينية في القانون الدولي. وهي تدرك أن أخطر ما يواجه إسرائيل ليس الصواريخ ولا المواجهات العسكرية المحدودة، وإنما تحويل الاحتلال إلى قضية إدانة قانونية عالمية مستدامة، تجعل قادة الاحتلال ملاحقين أينما ذهبوا، وتحوّل الاستيطان إلى عبء يهدد علاقات إسرائيل الدولية واقتصادها وشرعيتها السياسية.
كما أن هذه المعركة تكشف زيف الخطاب الإسرائيلي الذي حاول لعقود تصوير نفسه كـ”ديمقراطية وحيدة في الشرق الأوسط”. فكيف يمكن لدولة تدّعي الديمقراطية أن تبني نظاماً يمنح المستوطن كامل الحقوق والحماية، بينما يفرض على الفلسطيني الحصار والاقتحامات والجدران العسكرية والمحاكم الاستثنائية؟ وكيف يمكن للعالم أن يستمر في تجاهل نظام فصل عنصري واضح المعالم باتت منظمات حقوقية دولية كبرى تصفه علناً بالأبارتهايد؟
إن حكومة الاحتلال الحالية، بما تضمه من شخصيات متطرفة، لم تعد تحاول حتى إخفاء طبيعة مشروعها الحقيقي. بل إنها تدفع إسرائيل بسرعة نحو مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي، وتضع كل الحكومات القادمة أمام إرث ثقيل من الملاحقات والعزلة والاتهامات. وهذا ما يجعل معركة الاستيطان أخطر بكثير من أي معركة عسكرية مؤقتة، لأنها معركة على شرعية النظام بأكمله.
وفي النهاية، فإن الرهان الفلسطيني الحقيقي اليوم لا يجب أن يكون فقط على ردود الفعل الدولية الآنية، بل على استمرار بناء الملف القانوني والسياسي الذي يضع الاحتلال في مواجهة مباشرة مع العدالة الدولية. فالحروب قد تنتهي، والحكومات قد تتغير، لكن الجرائم البنيوية المرتبطة بالاستيطان والفصل العنصري ستظل تلاحق إسرائيل ما دامت تصر على إبقاء الاحتلال كنظام دائم، لا كحالة مؤقتة.