في واحدة من أكثر التصريحات إثارة ودلالة، كشف الوسيط الفلسطيني الأمريكي بشارة بحبح أنه تلقى تهديدات بالقتل من طرفين يفترض أنهما في حالة عداء وجودي: حركة حماس والموساد الإسرائيلي. تصريح لم يمر مرور الكرام، لأنه لا يفضح فقط حجم التوتر والخوف من أي صوت أو تحرك خارج حسابات الطرفين، بل يكشف حقيقة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة غير المعلنة بين مشروعين يبدوان متصارعين في العلن، بينما يتقاطعان في الجوهر والنتائج والمصالح.
حين يهددك الموساد لأنك تتحرك خارج حساباته الأمنية، وتهددك حماس لأنك تكشف أو تعطل أجندتها السياسية والإعلامية، فهذه ليست مجرد صدفة. إنها لحظة تكشف كيف أصبح الطرفان يتغذيان على استمرار الفوضى والحرب والانقسام، وكيف تحول الشعب الفلسطيني إلى رهينة بين احتلال دموي وسلطة أمر واقع تتقن الاستثمار في الدم والمعاناة.
إسرائيل تدرك جيداً أن استمرار حكم حماس في غزة يمنحها أفضل ذريعة أمام العالم لتبرير الحصار والقتل والتدمير. وحماس تعرف أيضاً أن بقاء إسرائيل في حالة حرب دائمة يمنحها مبرر الاستمرار في السيطرة والقمع وإسكات أي صوت معارض تحت شعار “المعركة الوطنية”. وهكذا يصبح الطرفان، رغم الشعارات النارية، بحاجة لبعضهما البعض أكثر مما يعترفان.
على مدار سنوات، لم تكن نتائج هذه العلاقة الكارثية سوى المزيد من الخراب الفلسطيني. إسرائيل تواصل تدمير غزة وقتل المدنيين، وحماس تواصل إدارة المشهد بعقلية التنظيم المغلق الذي يرى أي نقد خيانة وأي اختلاف مؤامرة. وبين هذا وذاك، يضيع الفلسطيني البسيط الذي يريد حياة كريمة وأمناً ومستقبلاً لأطفاله.
اللافت أن كل من يحاول الاقتراب من ملفات التهدئة أو المصالحة أو كشف الحقائق يجد نفسه مستهدفاً من الجانبين. وكأن هناك اتفاقاً غير مكتوب على أن الحقيقة يجب أن تبقى مدفونة، وأن استمرار الفوضى يخدم الجميع إلا الشعب الفلسطيني. لذلك لم يكن غريباً أن يتحدث بشارة بحبح عن تهديدات متزامنة من حماس والموساد، لأن الطرفين يرفضان أي مسار قد يهدد منظومة المصالح القائمة على الحرب الدائمة.
حماس التي تقدم نفسها كحركة مقاومة لا تتردد في استخدام أساليب التخوين والتحريض والتهديد ضد خصومها ومعارضيها وحتى ضد شخصيات وطنية مستقلة. والموساد الإسرائيلي، الذي بنى تاريخه على الاغتيالات والاختراقات والتصفية، يجد في حالة الانقسام الفلسطيني البيئة المثالية لمواصلة مشروعه الأمني والسياسي. النتيجة النهائية واحدة: مجتمع فلسطيني ممزق، وخوف متصاعد، وأصوات حرة يتم خنقها من كل الجهات.
الأخطر أن هذه المعادلة لم تعد خافية على أحد. فكلما اشتدت الحملات الإلكترونية والتحريض الإعلامي والتخوين المتبادل، اتضح أن هناك من يريد إبقاء الفلسطيني غارقاً في معارك جانبية لا تنتهي. الاحتلال يستفيد من تآكل الثقة الداخلية، وحماس تستفيد من تحويل أي مساءلة إلى “خدمة للاحتلال”. وبين الاتهامين، يتم سحق الحقيقة.
إن تصريح بشارة بحبح ليس حادثة عابرة، بل شهادة سياسية خطيرة على واقع مأزوم أصبحت فيه التهديدات تتشابه، والأساليب تتطابق، والنتائج تخدم الاتجاه نفسه. فعندما يصبح الوسيط أو الصحفي أو الناشط مهدداً من إسرائيل ومن حماس في الوقت ذاته، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد فقط في الاحتلال، بل أيضاً في البنية التي كرست الانقسام والخوف وتحويل القضية الفلسطينية إلى ساحة صراع على النفوذ والمصالح.
الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني، ويحمي حرية الرأي، ويوقف تحويل غزة إلى رهينة لمعادلات إقليمية وتنظيمية معقدة. أما استمرار هذه الثنائية القاتلة بين الاحتلال وحكم الأمر الواقع، فلن ينتج إلا مزيداً من الدم والدمار والانهيار الوطني.
لقد آن الأوان لطرح السؤال الذي يخشاه كثيرون: من المستفيد الحقيقي من بقاء الفلسطيني محاصراً بين تهديد الموساد وسكاكين التخوين الداخلية؟ لأن الإجابة باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى.