بينما يعيش سكان قطاع غزة تحت القصف والجوع والدمار، تبدو أروقة حركة حماس غارقة في معركة أخرى؛ معركة المقاعد والنفوذ وتقاسم ما تبقى من سلطة فوق ركام مدينة منكوبة. ففي الوقت الذي يبحث فيه الفلسطيني عن رغيف خبز أو خيمة تحمي أطفاله، تنشغل قيادات الحركة بجولات انتخابية وصراعات تنظيمية حادة لاختيار من سيجلس على كرسي القيادة القادم، وكأن المأساة الوطنية تحولت إلى مناسبة لتصفية الحسابات الداخلية.
التقارير الأخيرة تحدثت بوضوح عن تعثر انتخابات رئاسة المكتب السياسي للحركة وعدم حسمها من الجولة الأولى، وسط انقسام حاد بين تيارات متصارعة داخل الحركة، أبرزها تيار غزة والتيار الخارجي.
هذه ليست مجرد انتخابات تنظيمية عادية، بل انعكاس مباشر لأزمة عميقة تضرب بنية الحركة بعد الحرب الطويلة والاغتيالات والخسائر المتلاحقة التي عصفت بقياداتها ومشروعها السياسي والعسكري.
المشهد اليوم يكشف تناقضاً صارخاً ومؤلماً؛ غزة تحترق، بينما بعض القيادات تتصرف وكأن الأولوية ليست إنقاذ الناس ولا وقف النزيف، بل ترتيب خرائط النفوذ ومن يرث “الزعامة”. فبدلاً من مراجعة كارثية لما جرى منذ السابع من أكتوبر وما تلاه من دمار غير مسبوق، تدخل الحركة في سباق داخلي على السلطة، وكأن دماء عشرات الآلاف من المدنيين مجرد تفصيل هامشي في معركة الكراسي.
الأخطر من ذلك أن الصراع الداخلي لم يعد خافياً. تسريبات وتقارير إعلامية تحدثت عن انقسامات بين شخصيات بارزة داخل الحركة، وعن احتجاجات بالأوراق البيضاء ورفض لمرشحين بعينهم، في مؤشر واضح على فقدان الثقة داخل الجسم التنظيمي نفسه.
وهذا يكشف أن الأزمة لم تعد فقط مع الخارج، بل أصبحت أزمة قيادة ورؤية ومستقبل داخل الحركة ذاتها.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه أهالي غزة أي بارقة أمل توقف آلة الموت، يجدون أنفسهم أمام قيادة تتصارع على إدارة مرحلة الانهيار الكامل. المواطن الذي فقد منزله وأطفاله لا تعنيه أسماء الفائزين في انتخابات الحركة، بل يسأل سؤالاً واحداً: من المسؤول عن وصول القطاع إلى هذه الكارثة؟ ومن يملك الشجاعة للاعتراف بالفشل؟
الشارع الفلسطيني بدأ يدرك أكثر من أي وقت مضى أن الشعارات الثورية وحدها لا تبني وطناً، وأن الخطابات النارية لا تطعم جائعاً ولا تعيد مدينة دمرتها الحرب. ولهذا ظهرت حالة من الغضب والاستياء من استمرار الوجوه نفسها في الواجهة رغم كل ما حدث، وسط شعور متزايد بأن الحركة عاجزة عن تقديم مراجعة حقيقية أو تغيير فعلي في نهجها السياسي والتنظيمي.
ما يجري داخل حماس اليوم ليس مجرد “استحقاق تنظيمي”، بل صورة صادمة لانفصال بعض القيادات عن الواقع الإنساني الكارثي في غزة. فبينما تُدفن العائلات تحت الأنقاض وتتحول الحياة إلى جحيم يومي، تدور خلف الأبواب المغلقة معارك النفوذ والتحالفات والتصويت والجولات الانتخابية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة سياسية هو أن تتحول من مشروع وطني إلى مؤسسة مغلقة تدافع عن بقائها الداخلي أكثر مما تدافع عن شعبها. وعندما تصبح الأولوية حماية المواقع التنظيمية لا حماية المدنيين، فإن الحركة تكون قد دخلت مرحلة خطيرة من التآكل الأخلاقي والسياسي.
غزة اليوم لا تحتاج مزيداً من الخطب والشعارات ولا مزيداً من القادة الذين يتنافسون على إدارة الخراب. غزة تحتاج إلى من يضع حياة الناس فوق الحسابات الحزبية، وإلى قيادة تمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن توزيع المناصب. لأن التاريخ لا يرحم، والشعوب المنهكة لا تنسى من جعل معاناتها سلماً لصراعات السلطة.