في مشهد لم يعد مفاجئًا، خرجت حركة حماس وأذرعها الإعلامية المشبوهة ومنصاتها الإلكترونية المأجورة لتشن هجومًا مسعورًا على لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، مطلقةً سيلًا من الاتهامات الكاذبة والمضللة، في محاولة مكشوفة لضرب ما تبقى من مؤسسات وطنية فلسطينية، وتشويه أي إطار وطني لا يخضع لابتزازها أو لهيمنتها الحزبية.
الهجوم على لجنة الانتخابات المركزية ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا اعتراضًا قانونيًا مشروعًا، بل هو حلقة جديدة في مسلسل طويل من التحريض والتشويه الذي تمارسه حماس ضد كل مؤسسة فلسطينية مستقلة، وكل صوت لا يسبّح بحمدها، وكل جهة لا تنخرط في ماكينة الكذب والتضليل التي تديرها الحركة منذ سنوات.
ما يجري اليوم ليس دفاعًا عن نزاهة الانتخابات كما تدّعي حماس، بل هو اعتداء سياسي وإعلامي فجّ على مؤسسة وطنية يفترض أن تبقى فوق التجاذبات والفصائلية الرخيصة. لجنة الانتخابات المركزية، رغم كل ما يمكن أن يُقال أو يُناقش حول أدائها، تبقى مؤسسة قانونية وطنية، تعمل ضمن إطار رسمي، وتخضع لقوانين وإجراءات ورقابة، وليست ميليشيا حزبية ولا ذراعًا دعائيًا تابعًا لفصيل مسلح.
لكن المشكلة الحقيقية لدى حماس ليست مع لجنة الانتخابات بحد ذاتها، بل مع الفكرة التي تمثلها: فكرة الانتخابات نفسها.
فحركة حماس، التي تتباكى اليوم على “نزاهة العملية الديمقراطية”، هي ذاتها الحركة التي انقلبت على نتائج النظام السياسي الفلسطيني بقوة السلاح، وداست على التعددية، وصادرت حق الناس في الاختيار، وحوّلت غزة إلى سجن سياسي كبير تُدار فيه الحياة العامة بمنطق القمع لا بمنطق القانون، وبمنطق الولاء لا بمنطق الشراكة.
أي حديث يصدر عن حماس حول الديمقراطية هو في جوهره نكتة سوداء، بل إهانة صريحة لعقول الفلسطينيين.
كيف يمكن لحركة لم تُجرِ انتخابات داخلية شفافة ومعلنة أمام شعبها أن تتحدث عن النزاهة؟ كيف يمكن لتنظيم يحتكر القرار في غزة منذ سنوات، ويقمع المعارضين، ويكسر النقابات، ويكمّم الأفواه، ويعتقل الصحفيين، ويلاحق الناشطين، أن يقدّم نفسه فجأة كحارس لصندوق الاقتراع؟ وكيف يمكن لمن صادر الجامعات والبلديات والنقابات والشارع، أن يتحدث عن “الإرادة الشعبية” وكأنه ممثلها الشرعي الوحيد؟
الحقيقة التي تعرفها حماس جيدًا، وتحاول الهروب منها عبر الصراخ والتخوين، هي أنها الخصم الأول للديمقراطية الفلسطينية، لا ضحيتها.
فالديمقراطية بالنسبة لحماس ليست مبدأ، بل أداة مؤقتة. تقبل بها حين تخدم مشروعها، وتنقلب عليها حين تهدد نفوذها. تصفق للصندوق حين يسلّمها السلطة، وتكسر الصندوق حين لا يضمن لها السيطرة. تتغنى بالشراكة حين تكون خارج المشهد، وتدفنها حين تمسك بالخيوط.
وهذا ليس تحليلًا سياسيًا، بل سجل موثق من السلوك والممارسة.
منذ سيطرتها على غزة، لم تبنِ حماس نموذجًا ديمقراطيًا واحدًا يمكن الدفاع عنه. لم تؤسس حياة سياسية حقيقية. لم تحترم المعارضة. لم تصن حرية الصحافة. لم تسمح بتداول طبيعي للسلطة. لم تقبل بالنقد. ولم تُنتج سوى منظومة مغلقة، تخلط بين الأمني والحزبي، وبين الدعوي والعسكري، وبين السلطة والغنيمة.
وحين تضيق بها الحقائق، تفعل ما تجيده دائمًا: تطلق جيوشها الإلكترونية، تدفع بأبواقها الإعلامية، تضخ الشائعات، وتبدأ حملة تخوين منظمة ضد كل من يرفض الانحناء.
ولجنة الانتخابات اليوم ليست سوى الهدف الجديد في هذه الحملة القذرة.
السبب واضح: لأن وجود مؤسسة وطنية مستقلة، ولو بالحد الأدنى، يزعج حماس. لأن أي مرجعية لا تمر عبرها تُقلقها. لأنها لا تؤمن بالدولة أصلًا، بل تؤمن بالهيمنة. ولا تؤمن بالمؤسسات، بل بالولاء. ولا تؤمن بالشعب كشريك، بل ككتلة يجب تعبئتها وتوجيهها وإخضاعها.
لهذا فإن الهجوم على لجنة الانتخابات ليس دفاعًا عن الديمقراطية، بل إعلان عداء لها.
إن من يهاجم مؤسسة انتخابية وطنية بأدوات التحريض والتخوين والكذب، لا يدافع عن إرادة الناس، بل يحاول اغتيالها. ومن يزرع الشك في كل مؤسسة لا تخضع له، لا يحارب الفساد، بل يمهّد لابتلاع ما تبقى من النظام العام. ومن يتحدث عن النزاهة بلسان الميليشيا، لا يريد إصلاحًا، بل يريد فوضى تُدار بالسلاح والدعاية السوداء.
الأخطر في سلوك حماس ليس فقط كذبها، بل محاولتها المستمرة لتفكيك ثقة الفلسطيني بأي مؤسسة وطنية. فهي لا تكتفي بتعطيل السياسة، بل تعمل على تسميم المجال العام كله: تطعن في القضاء، تشوّه الإعلام، تخوّن المجتمع المدني، وتهاجم لجنة الانتخابات، حتى لا يبقى في الوعي الفلسطيني سوى منطق واحد: إما حماس، أو الفوضى.
وهذا هو جوهر مشروعها الحقيقي.
مشروع لا يريد دولة، بل ساحة. لا يريد مؤسسات، بل أدوات. لا يريد مواطنين، بل أتباعًا. ولا يريد ديمقراطية، بل شرعية مفصّلة على مقاس القوة.
إن الفلسطيني الذي دفع ثمن الانقسام من دمه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه، لم يعد بحاجة إلى مزيد من خطابات الخداع. ولم يعد من الممكن تمرير هذه المسرحية البائسة التي تحاول فيها حماس أن ترتدي ثوب الديمقراطية، فيما يدها غارقة حتى الكتف في خنقها.
الهجوم على لجنة الانتخابات المركزية ليس دفاعًا عن الشعب، بل عدوان على حقه. وليس حرصًا على النزاهة، بل محاولة جديدة لاغتيالها. وليس موقفًا سياسيًا، بل سلوكًا ميليشياويًا مألوفًا من جماعة لم تؤمن يومًا بالدولة، ولا بالشراكة، ولا بصندوق الاقتراع إلا حين يخدم مشروع سيطرتها.
أما الحقيقة التي لم تعد قابلة للتجميل، فهي أن حماس لا تخشى تزوير الانتخابات… حماس تخشى الانتخابات نفسها.
لأنها تعرف، أكثر من غيرها، أن الديمقراطية الحقيقية تعني نهاية احتكارها، ونهاية خطابها، ونهاية سلطتها القائمة على الخوف، والتضليل، ومصادرة إرادة الناس.