ما جرى في مواصي خانيونس لا يمكن اختزاله في خبر عابر أو حادثة مؤسفة تُضاف إلى سجل طويل من الألم. نحن أمام واقعة صادمة تكشف، بوضوح قاسٍ، كيف يمكن لقرارات غير محسوبة أن تضع المدنيين مباشرة في مرمى الموت، وكيف يتحول الإنسان الأعزل إلى ضحية بين طرفين لا يعترفان به إلا كرقم.
القصة تبدأ بتفصيل صغير، يكاد يبدو تافهًا: خلاف بين أطفال. مشهد يومي يتكرر في كل مكان، وعادة ما ينتهي بصلح سريع أو تدخل عائلي بسيط. لكن في هذا الواقع المشحون، لا شيء يبقى بسيطًا. تدخل أمني سريع، اعتقال، نقل إلى مركبة تابعة للشرطة… وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
حين يتم وضع مدنيين داخل مركبة أمنية في منطقة مفتوحة ومكشوفة، في سياق معروف بخطورته واستهدافه المستمر، فإن الأمر لا يعود مجرد إجراء روتيني. بل يصبح قرارًا يحمل في طياته مخاطرة واضحة، بل متوقعة. السؤال هنا ليس افتراضيًا ولا فلسفيًا: هل كانت هناك قراءة حقيقية للمشهد؟ هل تم تقدير الخطر؟ أم أن حياة الناس أصبحت تفصيلًا ثانويًا في معادلة أكبر؟
الواقع على الأرض يقول إن أي مركبة تحمل صفة أمنية في هذا السياق هي هدف محتمل. هذه ليست مفاجأة، ولا تطورًا جديدًا. ومع ذلك، تم نقل موقوفين مدنيين داخل مركبة معروفة الهوية، في توقيت ومكان بالغَي الخطورة. هذا القرار، بحد ذاته، يحتاج إلى مساءلة جادة، لأنه لم يضع في الاعتبار أبسط قواعد السلامة: حماية من هم تحت الاحتجاز.
ثم يأتي القصف. ضربة لا تميز، لا تتوقف عند طبيعة من بداخل المركبة، ولا تسأل إن كانوا معتقلين أم عناصر أمنية. النتيجة كانت محسومة: سقوط ثلاثة قتلى، مدنيون لم يكن لديهم أي خيار، ولا أي قدرة على تجنب مصيرهم.
هنا تتقاطع المسؤوليات، لكن التقاطع لا يلغي التمييز. استهداف مركبة تضم بشرًا دون تمييز هو فعل قاتل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويعكس استخفافًا صارخًا بالحياة الإنسانية. لكن في المقابل، وضع مدنيين في هذا الموقع تحديدًا، في هذه الظروف تحديدًا، هو قرار لا يمكن تبريره بسهولة، لأنه تجاهل بشكل واضح احتمالية الخطر.
المأساة الأعمق ليست فقط في سقوط الضحايا، بل في السياق الذي أدى إلى ذلك. هؤلاء الأشخاص لم يكونوا في الشارع بمحض إرادتهم، لم يكونوا مشاركين في أي نشاط مسلح، ولم يكن لديهم خيار. كانوا قيد الاحتجاز، أي في وضع يفترض فيه أن تكون الجهة التي تحتجزهم مسؤولة بشكل كامل عن سلامتهم. حين يتحول هذا الاحتجاز إلى عامل خطر، فذلك يعني أن شيئًا جوهريًا قد اختل.
الأخطر من ذلك هو الرسالة التي تصل إلى الناس. حين يصبح الاعتقال مدخلًا محتملاً للموت، وليس وسيلة للحماية أو فرض النظام، فإن الثقة تنهار. المواطن العادي يبدأ بطرح أسئلة مرعبة: هل أنا آمن إذا تم توقيفي؟ هل الانتقال من مكان إلى آخر تحت سلطة جهة أمنية يعني أنني أصبحت هدفًا؟
هذا النوع من الوقائع لا يمر دون أثر. هو يعمّق الشعور بأن المدني محاصر من كل الجهات، وأنه يدفع ثمن قرارات لا علاقة له بها. يصبح الإنسان مجرد “وقود” في معادلة معقدة، تُتخذ فيها القرارات بعيدًا عن حساب كلفتها الإنسانية الحقيقية.
المشكلة هنا ليست في خطأ فردي أو حادث عرضي، بل في نمط تفكير يتعامل مع الواقع بخفة خطيرة. حين تُتخذ قرارات ميدانية دون تقدير دقيق للمخاطر، ودون وضع حماية المدنيين في صلب الأولويات، فإن النتيجة تكون كارثية كما رأينا.
ما حدث في مواصي خانيونس يجب أن يُقرأ كإنذار، لا كحادثة عابرة. إنذار بأن إدارة الواقع بهذه الطريقة تعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من فقدان الثقة، ومزيدًا من الانزلاق نحو حالة يصبح فيها الإنسان آخر ما يُفكر فيه.
في النهاية، لا يمكن إعادة الزمن إلى الوراء، ولا يمكن إنقاذ من فقدوا حياتهم. لكن يمكن، ويجب، طرح الأسئلة الصعبة: من قرر؟ كيف قُدّر الموقف؟ ولماذا لم تُحمَ أرواح من كانوا تحت الاحتجاز؟
لأن تجاهل هذه الأسئلة لن يغيّر شيئًا… بل سيضمن فقط تكرار المأساة.