شبكة الصحافة الفلسطينية

الرئيسية 27 أبريل 2026

حماس وانتصار الخراب: كيف ربحوا الفوضى وخسر الفلسطيني كل شيء

حماس وانتصار الخراب: كيف ربحوا الفوضى وخسر الفلسطيني كل شيء

منذ سنوات، لم تكن حركة حماس تخوض معركتها الحقيقية ضد الاحتلال بقدر ما كانت تخوضها ضد أي احتمال لولادة نظام فلسطيني مستقر، واضح، قابل للحياة. هذا هو جوهر المسألة الذي يهرب كثيرون من قوله صراحة: حماس لم تكن ترى في الاستقرار الفلسطيني مشروعًا وطنيًا، بل خطرًا وجوديًا عليها. ولذلك، فإن كل ما جرى خلال السنوات الماضية، وصولًا إلى هذا الخراب المفتوح، لا يمكن قراءته باعتباره “فشلًا” لحماس، بل يجب أن يُقرأ كما هو: نجاح كامل في تنفيذ مشروع الفوضى.

سيُفاجأ كثيرون بعد حين حين يكتشفون أن حماس لم تكن تكذب عندما أوحت بأنها “انتصرت”، لأن الانتصار في قاموسها لم يكن يومًا تحرير الأرض، ولا حماية الإنسان، ولا بناء الدولة، ولا صون المجتمع. الانتصار عند حماس كان دائمًا شيئًا آخر: تدمير أي مسار سياسي يمكن أن ينتج كيانًا فلسطينيًا مستقرًا، نسف أي أفق وطني جامع، وإعادة الفلسطيني إلى نقطة الصفر؛ إلى الفوضى، والانقسام، والدم، والخراب، والارتهان.

وهذا بالضبط ما حدث.

منذ اتفاق أوسلو، وبغض النظر عن كل ما يمكن أن يُقال في نقده أو تحميله من أخطاء، كان هناك مسار سياسي يتشكل، بطيئًا، مرتبكًا، ناقصًا، ومليئًا بالاختلالات، نعم، لكنه كان يرسم ملامح جغرافيا سياسية فلسطينية قابلة للتبلور. كان هناك اعتراف دولي، مؤسسات، خرائط تتشكل، سلطة سياسية، مساحة اشتباك قانوني ودبلوماسي، وإمكانية – ولو متعثرة – لبناء جسم وطني يمكن تطويره أو إصلاحه أو حتى الانقلاب عليه سياسيًا من داخل النظام.

هذا المسار كله كان عدوًا لحماس.

ليس لأن حماس تؤمن بتحرير كامل كما تدّعي، بل لأن وجود أي بنية سياسية مستقرة يعني نهاية وظيفتها التاريخية. حماس لا تستطيع أن تعيش في بيئة مستقرة، لأنها تنظيم لا يتغذى إلا على الفوضى. وجودها يحتاج انهيارًا دائمًا، توترًا دائمًا، اشتباكًا مفتوحًا، وسلطة موازية تنمو في الظل، خارج القانون، خارج الإجماع، وخارج المساءلة.

ولهذا لم يكن مطلوبًا من حماس أن “تحرر” غزة، بل أن تعزلها. لم يكن مطلوبًا منها أن تبني نموذجًا، بل أن تحول القطاع إلى مختبر دائم للانهيار. لم يكن مطلوبًا منها أن تقدم مشروعًا وطنيًا، بل أن تمنع أي مشروع آخر من النجاة.

وهنا نفهم لماذا التقت مصالح متناقضة ظاهريًا حول بقاء حماس ووظيفتها.

إيران لا تحتاج فلسطين محررة، بل تحتاج فلسطين مشتعلة. بالنسبة لطهران، فلسطين ليست قضية تحرر، بل منصة نفوذ، ورقة ضغط، ومخزن دم قابل للاستخدام الإقليمي. ما تريده إيران ليس انتصار الفلسطيني، بل استمرار الجرح الفلسطيني مفتوحًا، لأن الجرح المفتوح وحده يصنع لها شرعية الشعارات ويمنحها دور “الراعي” و”الممول” و”المقاوم” من بعيد، بينما يدفع الفلسطيني الثمن وحده.

والاحتلال بدوره لا يحتاج شريكًا فلسطينيًا مستقرًا، بل يحتاج خصمًا فوضويًا. إسرائيل لا تخشى الفوضى الفلسطينية، بل تستثمر فيها. تخشى الشريك السياسي، تخشى الكيان الواضح، تخشى المشروع القابل للتدويل، تخشى الفلسطيني الذي يذهب إلى العالم بملف دولة، لا بخطاب ميليشيا. أما الفوضى؟ فهي أفضل هدية استراتيجية للاحتلال. الفوضى تمنح إسرائيل كل ما تحتاجه: تبرير القتل، شرعنة الحصار، تعطيل الحل، وتقديم الفلسطيني كخطر أمني لا كشعب تحت الاحتلال.

وهنا يصبح المشهد أوضح: إيران تحتاج الفوضى لتفاوض. إسرائيل تحتاج الفوضى لتقمع. وحماس تحتاج الفوضى لتبقى.

أما الفلسطيني، فهو الوقود.

هذه هي المعادلة التي سحقتنا.

أما الأداة الأكثر قذارة في هذا المشهد، فهي تلك الشبكة الهجينة التي تتقاطع فيها مصالح الإخوان، والتمويل السياسي، وغرف الدعاية، ووكلاء الاستثمار في الدم، من الدوحة إلى طهران، ومن منابر التحريض إلى غرف التفاوض السرية. هناك ماكينة كاملة لم تكن تعمل من أجل فلسطين، بل من أجل إدارة الفوضى الفلسطينية؛ ماكينة تتغذى على الشعار، وتقتات على الجثة، وتبني نفوذها على أنقاض الناس.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: ماذا ربحت حماس؟ بل: ماذا تنتظر حماس الآن؟

ماذا تريد بعد كل هذا الخراب؟ بعد عشرات آلاف القتلى؟ بعد سحق غزة؟ بعد تجريف المجتمع؟ بعد تحويل الناس إلى جوعى ونازحين ومطاردين ومنكوبين؟ بعد تدمير أي معنى للحياة؟

ماذا تنتظر بالضبط؟

هل تنتظر إعادة إنتاج سلطتها فوق المقابر؟ هل تنتظر جولة تفاوض جديدة تُسلّم فيها الدم مقابل ضمانات بقاء؟ هل تنتظر إعادة تدوير خطابها القديم فوق الركام؟ هل تنتظر أن يعود الناس – تحت الجوع والقهر والخوف – إلى بيت الطاعة السياسي؟ هل تنتظر أن ينسى الناس من الذي صادر قرارهم، وخطف مصيرهم، واحتكر الحرب والسلم باسمهم؟

هذا هو السؤال الذي ترفض حماس الإجابة عنه.

لن تسمع جوابًا سياسيًا واضحًا. لن تسمع خطة. لن تسمع مراجعة. لن تسمع اعترافًا. لن تسمع مسؤولية.

ستسمع فقط الضجيج المعتاد: شعارات، استعراضات، عنتريات، بلاغة خشبية، وآيات صبر تُتلى على شعب يُذبح.

كلما سُئلت حماس: ما مشروعكم؟ أجابت بالصراخ.

كلما سُئلت: ماذا بعد؟ أجابت بالشعار.

كلما سُئلت: من يحاسب؟ أجابت بالتخوين.

كلما سُئلت: لماذا حدث هذا؟ أجابت بالمزايدة.

هذا ليس سلوك حركة تحرر. هذا سلوك سلطة أمر واقع تخاف الحقيقة. تخاف السؤال. تخاف الحساب. وتخاف أكثر ما تخاف أن يقول الفلسطيني بصوت واضح: كفى.

كفى متاجرة بالدم. كفى إدارة للهزيمة كأنها نصر. كفى استخدامًا للناس كوقود. كفى تحويل القضية إلى وظيفة. كفى تحويل الخراب إلى عقيدة.

لقد آن الأوان لطرح السؤال الذي هربوا منه طويلًا: إذا كان كل هذا “نصرًا” كما تزعمون، فلماذا يبدو الفلسطيني وحده هو المهزوم دائمًا؟

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.